ابداعات

الشيطان يعظ

 زينب عبد الحفيظ

الشر قد يتكأ على عرش الإنسانية؛ الشر صفة ولدت معي ولها في روحي ألوان وخامات مختلفة، ولعشق السادية درجات متنوعة. من الناس من يغلّ في قلبه ويكتم آفاته إلى أن يغدو كتلة من الكره يخطو في الظلال؛ يتوقف بمذابح المواشي، أو عند حانوتي، أو بجانب الجزارين، ينظر إلى موت الأشياء بشفاه مفترّة، وبصمتٍ يراقب اختفاء البريق الأخير في الروح بنشوة كبرى.. 

ومنهم من يأمر بسلب الروح بعقلانية فذة، وهو ما فعلته مراراً؛ كنت أقضم لذة اللحوم وألوكها بهمهمة مسموعة، ثم أتجرع فوقها سُكر العقول، مقتنعاً تمام الإقناع أنها العدالة. بل وبعدما أتخلص من جثامينهم الباردة، كنت أخاطب الجموع بكلمات منمقة، خطابات دسستُ فيها كل البراهين والدلائل التي تسوغ موت ضحاياي، حتى يقتنع من حولي أنني لست بقاتل، بل أنا رجل يذود عن أرضه؛ رجلٌ شرابه باللون الأحمر القاني، ونبيذه المفضل نزف ضحاياه.

تجسدتُ في العصور الوسطى، وسُميت بـ دراكولا، فلاد الثالث؛ أسطورة تبخترت في أرض الأفلاق، وفرضتُ حكمي بالحديد المصاغ للقلوب.. وجه الشيطان الوسيم.

لكن، هل يولد الأشرار أشراراً؟ لا بد من تدرج في السوداوية ليرتقي المرء إلى أوائل قائمة الشر في التاريخ. فقد كنت يوماً فتاً كالبقية، ألهو دون ضمور أي بذرة خبيثة. لم أولد سادياً بالفطرة، بل تشكلت طفولتي في بيئة مشحونة بالخيانات. في شبابي، قام والدي بالتخلي عني وتسليمي كرهينة دبلوماسية للدولة العثمانية؛ مكثتُ هناك سنوات في الأسر، تعلمتُ درس علم النفس العسكري، وشاهدتُ بأعين مفزوعة أساليب العقاب القاسية، ومن ضمنها الخازوق.

عدتُ من الأسر محملاً بالكراهية نحو الجميع، لم أعد كما كنت على سريرتي الأولى، بل اصطبغت أحشائي باللون الرمادي. حاولتُ التعايش بما بي من آلام، لكنني لم أقو على كبح نفحاتي الحامية؛ فقد كان اختلالي النفسي يتجلى في مكائدي نحو كل شيء.. نحو أخي، وحاشيتي، حتى بدأتُ في ممارسة أساليب التعذيب على الحشرات.

وفي ليلة كان القمر قد توارى بها وخيمت الغيوم لتزيد من وطأة التخلي، فُجعتُ بخبر خيانة النبلاء لأهلي؛ لقد تآمر بويار الأفلاق مع الأعداء، انقلبوا على أبي واغتالوه في المستنقعات، وقبضوا على أخي الأكبر ميرتشا ففقأوا عينيه بالحديد المحمى ودفنوه حياً بالثرى، 

حينها، تلونت عيناي بالسواد المطلق، وركنتُ إلى أنفاس الشياطين المهمسة في مسامعي، وظهرت مخالبي المتوارية وبنيت من نفسي شخصية من رعب.

انتقمتُ أشرس انتقام لأهلي؛ فحين توليتُ الحكم، أقمّتُ وليمة كبرى دعوتُ إليها النبلاء وعائلاتهم جميعاً. وحينما انتهوا من تناول الطعام واللهو، رفعتُ صوتي متسائلاً: ‘أيها الأشراف، أخبروني، كم ملكاً عاصرتم في حياتكم؟’

أخذ العجائز منهم يعدون لي الأسماء بغرور وتفاخر، ففهمتُ في تلك اللحظة أن الخيانة تجري في قلوبهم منذ النشأة، لكثرة أعداد من غدروا بهم من ملوك؛ حينها نفضتُ ما تبقى لي من إنسانية، وأمرتُ بجنودي فجروا العجائز منهم ليُعدموا فوراً في غابة الخوازيق لتخترق أجسادهم ببطء أمام عيني.

أما البقية من الشباب والنساء، فلم أمنحهم رفاهية الموت السريع؛ بل سقتهم كالعبيد تحت حد السلاح، مجردين من ثيابهم الفاخرة، ليشقوا الجبال سيراً على الأقدام حتى تهرأت أجسادهم وسالت دماؤهم، وأجبرتهم على بناء قلعتي الحصينة قلعة بويناري، يرفعون الحجارة بأنفاس لاهثة حتى ماتوا تحت وطأة الضغط والإنهاك.

وحينها.. بدأت أسطورتي الحية تتنقل برعبها بين الأمم في القرن الخامس عشر، كملك صاغ عرشه من ماء الذهب وصرخات ضحاياه، حتى عبر اسمي القرون واختلطت به الحكايا الخيالية، وجُسِّدتُ كمثال للظلام الدموي.

لكن.. هناك فئة من شعبي تراني كرجل صلد، استطاع أن يجرد الغزاة من رداء القوة ، وحافظ على أرضه طويلاً. لكن أيها الناس إن أتينا بالشر واستجوبنا أركانه، لاعترف الشر أن الركن الأكبر فيه هو تراكمات الضغائن، وفواجع النية التي كانت يوماً نظيفة؛ لقد ألبسني التاريخ حُلّة الدموية، وارتديتها أنا بحفاوة.

اليوم، عند ذكر اسمي، يلوح في العقول كنية مصاص الدماء دراكولا؛ لكن، هل حقاً كنت أغمس طعامي بدم الموتى؟ أم كنت أرتشفه رشفة واحدة؟ أم أن هذه مجرد بهارات أضافها الروائيون لتشويه ما تبقى لي من رحمة؟

انظروا حولكم.. فالعالم اليوم ممتلئ بخلفاء الشياطين؛ منهم من استطاع أن يمارس مكائده على البشر، ومنهم من أخرج شره على الحيوانات الضعيفة التي لا صوت لها، ومنهم من يحاول ترويض نفسه وكبح جنونه عن المخلوقات أجمعين.. خوفاً من غضب قد يصبّه عليه الإله. لقد كان الشيطان ملاكاً في يومٍ ما، كما كنت أنا.. مجرد فتى حالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى