مقالات

حين تُقصف الجسور .. رسائل الحرب تتجاوز ساحات القتال

✍️ يوحنا عزمي

ما يجري الآن في إيران لم يعد مجرد جولة جديدة من الضربات العسكرية المتبادلة، بل يبدو وكأنه انتقال إلى مرحلة مختلفة تماماً في طبيعة الصراع. فالولايات المتحدة، وفقًا للتقارير المتداولة، وسعت نطاق استهدافها ليشمل البنية التحتية الحيوية، وهو تطور يحمل دلالات تتجاوز الخسائر العسكرية المباشرة ، لأنه يطال مفاصل الاقتصاد وحركة النقل والإمداد داخل الدولة الإيرانية.

فإذا صحت التقارير بشأن استهداف جسر “كهورستان” الذي يربط بندر عباس بشيراز ولار، فإن الأمر لا يتعلق بجسر عادي، وإنما بممر استراتيجي يمثل أحد شرايين الحركة في جنوب إيران. وفي العقيدة العسكرية ، فإن استهداف الجسور والسكك الحديدية ومحطات النقل ليس مجرد محاولة لإبطاء حركة القوات، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إرباك الدولة، وعزل مناطقها عن بعضها البعض، وإضعاف قدرتها على المناورة والإمداد، وهو ما يُعد في كثير من الأحيان تمهيدًا لمرحلة أكثر تصعيداً إذا استمرت العمليات.

ولم تتوقف الضربات، بحسب ما تداولته وسائل إعلام مختلفة، عند الجسور فقط، بل امتدت إلى محطة قطار ومطار إيرانشهر في إقليم سيستان وبلوشستان، إضافة إلى انفجارات في مدينة حميدية بمحافظة خوزستان. وإذا كانت هذه المعلومات دقيقة، فإن الصورة العامة تشير إلى أن الاستهداف لم يعد يركز فقط على المنشآت ذات الطابع العسكري، بل أصبح يطال البنية اللوجستية التي تعتمد عليها الدولة في إدارة حياتها اليومية، وهو ما يرفع كلفة الحرب بصورة كبيرة على الداخل الإيراني.

أما إعلان وزارة الطاقة الإيرانية عن تضرر خطوط نقل الكهرباء الرئيسية في بندر عباس وانقطاع التيار عن مناطق واسعة، فيكشف أن الضغوط لم تعد مقتصرة على ساحات القتال، بل امتدت إلى الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين مباشرة. وعندما تبدأ شبكات الكهرباء والنقل والموانئ في التعطل، فإن الرسالة العسكرية تتحول إلى رسالة سياسية واقتصادية أيضًا، هدفها زيادة الضغط على مؤسسات الدولة وإضعاف قدرتها على إدارة الأزمة.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن إيران سبق أن أعلنت، في أكثر من مناسبة، أن أي استهداف واسع لبنيتها التحتية سيقابله رد يستهدف بنى تحتية مماثلة لدى خصومها أو لدى الدول التي ترى أنها تشارك في العمليات ضدها. لكن يبقى شكل هذا الرد وحجمه وتوقيته محل تكهنات، ولا يمكن الجزم بما سيحدث قبل وقوعه.

ومن هنا تبدأ مرحلة القلق الحقيقي بالنسبة لدول الخليج والمنطقة العربية بأسرها. فالتصعيد بين واشنطن وطهران لا يبقى عادة داخل حدود البلدين، بل يمتد تأثيره إلى الممرات البحرية، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة الدولية ، وأمن المنشآت النفطية ، وكلها ملفات ترتبط بصورة مباشرة باقتصادات دول الخليج.

كما أن أي اضطراب كبير في خطوط الملاحة الإقليمية، سواء في الخليج أو البحر الأحمر، ستكون له انعكاسات اقتصادية واسعة، وقد يؤثر على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد. ولهذا تتابع العواصم العربية التطورات بحذر شديد، لأن أي توسع في دائرة المواجهة قد يفرض تحديات أمنية واقتصادية إضافية على المنطقة.

وفي خضم هذه التطورات ، تتزايد التحليلات حول الأهداف السياسية والعسكرية للإدارة الأمريكية. فهناك من يرى أن واشنطن تسعى إلى زيادة الضغط على إيران لدفعها إلى تقديم تنازلات استراتيجية، بينما يذهب آخرون إلى أن هذه الضربات قد تكون جزءًا من سياسة ردع أوسع لمنع طهران من توسيع نفوذها الإقليمي. وفي المقابل، يرى محللون أن استمرار التصعيد يحمل مخاطر انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها.

وفي النهاية، تبقى المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي قرار عسكري أو رد فعل متبادل أن يغيّر مسار الأحداث خلال ساعات. وبين التصعيد والردع، وبين الحسابات العسكرية والمصالح الاقتصادية، يقف الشرق الأوسط مرة أخرى على حافة اختبار جديد، ستكون نتائجه مؤثرة ليس فقط على أطراف الصراع، بل على المنطقة بأكملها، وربما على الاقتصاد العالمي أيضاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى