✍️ المستشارة : هايدي إيليا
لم تعد جرائم الابتزاز الإلكتروني تتمحور حول صور مسروقة أو فيديوهات جرى التلاعب بها. الواقع الرقمي اليوم يكشف عن فصل أكثر قسوة وخفاء : المحادثات الخاصة نفسها أصبحت مادة خام للتهديد والضغط النفسي.
رسائل شخصية خرجت بدافع الثقة ، لحظات اعتراف إنساني بين طرفين ، كلمات قيلت بعفوية ، تتحول فجأة إلى وثيقة تهديد ، وإلى “قيد رقمي” يطوق الضحية في اللحظة التي يتغير فيها مزاج الطرف الآخر.
هذه الموجة الآخذة في الانتشار بين مصر والولايات المتحدة تُظهر الوجه المظلم للعلاقات الرقمية الحديثة.
حيث يتحول الرابط الإنساني— الذي يبدأ عادة بالتفاهم والاطمئنان – إلى مساحة مُلغمة ، يمكن أن تُنتزع منها لحظة ضعف ، أو فقرة رومانسية ، لتصبح سلاحاً يلوح به المبتز في الوقت الذي يناسبه.
إنه حصار نفسي كامل ، لا يقل ضراوة عن التهديدات المادية ، ولا يختلف في أثره عن أشد أشكال الاعتداء.
الثقة ليست خطأ .. الجريمة هي العبث بها واستغلالها
غالبية حالات الابتزاز الإلكتروني تنشأ من نقطة واحدة : الطمأنينة.
صوت يبدو مريحاً ، محادثة تمتد لساعات ، علاقة تبدأ بمصداقية ، أو صداقة تنمو تدريجياً حتى تصبح مساحة للاعترافات والبوح. ولكن ما إن تتغير النوايا ، حتى تتحول هذه المساحة الهادئة إلى أرشيف تهديد يحتفظ به الجاني عمداً.
القانون – سواء في مصر أو الولايات المتحدة – لا يحاسب الضحية لأنها تكلمت أو وثقت أو تواصلت. القانون لا يعاقب العاطفة.
المسؤول الوحيد هو من حول الثقة إلى فخ ، والمحادثة إلى أداة ابتزاز.
القانون المصري .. حماية موسعة تشمل الكلمات والرسائل قبل الصور والفيديوهات
منذ صدور قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات ، حرص المشرع المصري على سد أي ثغرة قد يستغلها مبتز.
فالمادتان 25 و26 وضعتا المحادثات الخاصة في موقع حماية مساوٍ تماماً للصور والفيديوهات :
- المادة 25 : تعتبر أي اعتداء على الخصوصية – سواء كان نصاً، أو صوتاً، أو صورة، أو محادثة – جريمة صريحة.
- المادة 26 : تجرم مجرد التهديد باستخدام محتوى خاص دون الحاجة لنشره.
- المادة 309 مكرر عقوبات : تصنف تسجيل أو نشر محادثة خاصة كـ خيانة أمانة رقمية ، ويتضاعف الأمر إلى جريمة جنائية إذا شارك طرف آخر.
هذه المواد تقول بوضوح : الكلمة الخاصة أمانة قانونية ، وليست مادة للضغط أو التهديد.
الولايات المتحدة .. عندما تتحول المحادثة الخاصة إلى جريمة اعتداء جنسي رقمي
في أمريكا ، ذهب التشريع إلي خطوة أبعد.
هناك يُدرج الابتزاز القائم على المحادثات الشخصية ضمن فئة الاستغلال الجنسي الرقمي (Digital Sexual Exploitation). وهذا التصنيف يساوي بين تهديد الضحية بمحادثات عاطفية أو خاصة وبين جرائم الاعتداء الجنسي التقليدية.
وتتسع زاوية الرؤية القانونية في الولايات المتحدة لتشمل :
- التهديد الفيدرالي
أي تهديد باستخدام محادثة خاصة يقع مباشرة تحت سلطة القانون الفيدرالي، حتى لو لم تُنشر. - الابتزاز العاطفي والنفسي
استخدام الرسائل العاطفية أو الاعترافات الشخصية لإجبار الضحية على خضوع عاطفي أو جنسي يُعد جريمة جنسية رقمية مكتملة. - الخداع للحصول على الرسائل
إذا انتُزعت المحادثات عبر انتحال شخصية أو علاقة مزيفة ، تُشدد العقوبة تلقائياً. - Deepfake الصوتي
يجرم القانون تهديد الضحية بتسجيلات مفبركة لم تحدث أصلًا ، وهو تطور خطير في الرقابة القانونية. - التآمر (Conspiracy)
أي شخص يساعد أو يصمت أو يتواطأ يدخل في دائرة الجريمة نفسها ، وتُضاعف العقوبة بحقه.
بين القاهرة وواشنطن .. إختلاف قوانين تتفق على مضمون واحد
ورغم اختلاف أنظمة التشريع ، فإن الرسالة الإنسانية والقانونية شبه واحدة :
المخطئ هو من استغل .. وليس من وثق.
وما يُستخدم كسلاح ضد الضحية ، يتحول لاحقاً داخل المحكمة إلى دليل إدانة ضد الجاني.
الذكاء الاصطناعي .. مرحلة أشد خطورة من الابتزاز التقليدي
ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وخاصة ما يتعلق بتقليد الأصوات وصناعة المحادثات ، فتح الباب أمام نوع جديد من الجرائم :
تهديد الضحية بمحتوى لم يكتبه ولم يقله أصلًا.
هذا التطور يضع المشرعين – في مصر وخارجها – أمام تحديات جديدة تتطلب تحديثاً للقوانين ، لضمان حماية الضحايا من محتوى قد يكون مزيفاً بالكامل ، لكنه قادر على تدمير حياة إنسان.
الخاتمة .. حين تتحول الثقة إلى جريمة
الابتزاز الإلكتروني العاطفي والجنسي لم يعد مجرد حادثة عابرة ؛ إنه اعتداء كامل الأركان ، ينهش سمعة الضحية ونفسيتها في آن واحد.
المحادثات التي خرجت بحسن نية ، لا تُدين صاحبها ، بل تشهد له بأنه وثق وتعامل بإنسانية.
أما المبتز ، فهو من يحول ما لديه إلى خنجر يعود ليطعن نفسه قانونياً.
وفي النهاية يبقى المبدأ الأهم :
لا عار على من وثق .. ولا نجاة لمبتز.




