مقالات

واشنطن تفتح أبواب العاصفة .. وفنزويلا على حافة مواجهة تاريخية

✍️ يوحنا عزمي

انخدع العالم كله بالمشهد الهادئ الذي ظهر قبل أيام ، حين أعلن عن إتصال هاتفي جرى بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو ، قيل إنه جاء في محاولة لتهدئة التوتر المتصاعد بين البلدين.

بدت اللحظة وقتها وكأنها انفراجة نادرة في أزمة كانت   على وشك الانفجار ، حتى إن كثيرين ظنوا أن ترامب  ـ  بعد أسابيع من التصعيد والتهديد ـ قد تراجع خطوة إلى الوراء وبدأ يستعيد رباطة جأشه ، وأن لغة السفن الحربية المتمركزة أمام السواحل الفنزويلية قد تخف حدتها.

بدا المشهد وكأن عاصفة سياسية هوجاء تتراجع فجأة ، وأن العمل الدبلوماسي بدأ يجد لنفسه مساحة للتنفس في ظل احتدام الموقف وتوالي التحذيرات الأمريكية التي صدرت عن إدارة ترامب تجاه مادورو ، والتي وصلت إلى حد وصفه بالرئيس غير الشرعي ، واتهمته بأنه لا يقود دولة بل يترأس عصابة تتاجر بالمخدرات وتهربها إلى الولايات المتحدة وأوروبا. اتهامات ثقيلة وخطيرة ، لكنها بقيت مجرد مزاعم لم يثبت عليها دليل واحد موثوق حتى اللحظة.

ومع ذلك ، فقد كان الإعتقاد السائد أن هذا الاتصال ـ مهما بدا شكلياً أو بروتوكولياً  يمثل خطوة أولى نحو معالجة الأزمة بعقلانية ، خاصة أن فنزويلا ليست دولة هامشية في محيطها الإقليمي ، بل واحدة من أهم دول أمريكا اللاتينية وأكثرها تأثيراً في سوق الطاقة العالمي ، وعضو مؤسس لمنظمة أوبك ، بما يجعل علاقتها بالولايات المتحدة علاقة معقدة وحساسة ، ومصلحتها بالنسبة لواشنطن أكبر بكثير من مجرد عداء سياسي آني.

كنا نأمل أن تمنح الإدارة الأمريكية الدبلوماسية فرصة حقيقية لتأدية دورها ، وأن يقترب الطرفان من صيغة مشتركة تمنع الانزلاق نحو صدام لن يكون في صالح أحد.

لكن سرعان ما تبين أن ما بدا خطوة نحو التهدئة لم يكن إلا ستاراً رقيقاً يخفي خلفه نية أمريكية مبيتة ، وأن إدارة ترامب لم تكن تبحث عن حلول بقدر ما كانت تجمع أوراقها للتحضير لما هو أكبر وأخطر.

فالرئيس الأمريكي ، كما يبدو ، عقد العزم منذ البداية على إسقاط نظام مادورو بالقوة ، تماماً كما فعلت واشنطن في تجارب سابقة عندما قررت تغيير أنظمة حكم لم ترض عنها. وليس المثال التشيلي ببعيد ، حين أطاحت الإدارة الأمريكية في السبعينيات بالرئيس المنتخب سلفادور الليندي، ومهدت الطريق للدكتاتور العسكري الدموي أوغستو بينوشيه ليحكم البلاد بالحديد والنار لسنوات طويلة ، في واحدة من أبشع فصول التاريخ السياسي لأمريكا اللاتينية ، وكل ذلك تحت ذرائع مشابهة لتلك التي تتردد اليوم على لسان إدارة ترامب.

الفرق الوحيد أن المشهد اليوم يُعاد بصيغة أكثر خشونة ، في عالم بات أكثر ترابطاً وأقل احتمالاً لمثل هذه المغامرات العسكرية.

وبالأمس فقط، أقدمت الولايات المتحدة على خطوة خطيرة وغير مسبوقة حين أعلنت ، من جانب واحد ، إغلاق المجال الجوي الفنزويلي بالكامل ، وحظرت حركة الطيران الدولي والمحلي في سماء فنزويلا ، موجهة تحذيراً صارماً إلى كل دول العالم بعدم الدخول إلى الأجواء الفنزويلية.

كانت الخطوة بمثابة فرض حصار جوي كامل ، أدى إلى شلل شبه تام في حركة البلاد ، وقطع صلتها بالعالم الخارجي بل وحتى بين أقاليمها الداخلية. ووفق تقديرات واسعة ، فإن الهدف الحقيقي لهذه الخطوة هو منع مادورو من مغادرة البلاد إن فكر بذلك ، والحد من إمكانية وصول أي مساعدات عسكرية أو لوجستية إليه من الخارج ، بما يمهد الطريق أمام عملية عسكرية واسعة قد تنطلق في أي لحظة بعد أن تكون الولايات المتحدة قد أغلقت كل المنافذ وفرضت سيطرتها على المجال الحيوي للدولة الفنزويلية.

وهكذا تمارس واشنطن بلطجتها الدولية في وضح النهار ، بلا اكتراث للقوانين الدولية التي تحظر استخدام القوة في العلاقات بين الدول إلا في حالات محددة لا تنطبق بأي حال على الأزمة الفنزويلية.

ففنزويلا لم تهدد الأمن القومي الأمريكي ، ولم يثبت عليها تورط موثوق في أي نشاط غير مشروع يطال الشعب الأمريكي بشكل مباشر ، وكل الذرائع المعلنة تظل بلا سند حقيقي. ومع ذلك ، يبدو أن الولايات المتحدة ماضية نحو إشعال حرب جديدة تضاف إلى سلسلة الحروب التي يرزح تحتها العالم اليوم ، وكأن حرب أوكرانيا أو الحرب على غزة لم تكونا كافيتين لتدفع الإدارة الأمريكية إلى مراجعة سياساتها ، أو على الأقل التفكير في طريق آخر يحقق مصالحها دون أن يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والدمار.

إن ما يجري اليوم بين واشنطن وكاراكاس ليس مجرد   أزمة سياسية عابرة ، بل حلقة جديدة من حلقات الصدام الأمريكي مع أنظمة حكم ترفض الخضوع ، وتصر على الحفاظ على استقلال قرارها.

وبينما يتابع العالم تطورات المشهد بقلق بالغ ، يظل التاريخ يذكرنا بأن الحروب لا تأتي إلا بالمزيد من الخراب ، وأن القوى العظمى حين تنجرف وراء حسابات القوة تفقد قدرتها على رؤية العواقب، وتدفع الجميع نحو مستقبل لا يملك أحد ضمان عواقبه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!