مقالات

عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي .. من يدفع الثمن؟

بقلم المستشارة : هايدي إيليا

لم يعد الذكاء الاصطناعي مصطلحاً نظرياً يُتداول في أروقة الجامعات أو مشاريع الشركات الناشئة ، بل أصبح بنية تحتية غير مرئية تحكم تفاصيل دقيقة من حياتنا اليومية. خوارزميات تقرر ما نقرأ ، أنظمة تقيم قدرتنا الائتمانية ، برامج تشخص أوراماً مبكرة، ومنصات تحلل سلوك المتهمين لتقدير احتمالات العود إلى الجريمة. نحن نعيش في زمن تتخذ فيه الآلة قرارات مؤثرة ، أحياناً أسرع وأكثر تعقيداً مما يستطيع الإنسان استيعابه.

لكن خلف هذه الكفاءة المبهرة ، يختبئ سؤال ثقيل : ماذا لو أخطأت الآلة؟

من يتحمل تبعات قرار اتُخذ بلا نية ، بلا ضمير ، وبلا إدراك أخلاقي؟

القانون الكلاسيكي بُني على فكرة بسيطة وواضحة : هناك فاعل بشري ، ارتكب خطأ ، تسبب في ضرر ، وبالتالي يتحمل المسؤولية. المنظومة القانونية تفترض وجود إرادة يمكن مساءلتها ، وسلوك يمكن تقييمه ، ومعياراً يمكن القياس عليه. غير أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تقف خارج هذا التصور التقليدي ؛ فهي لا “تنوي” ولا “تقصد”، بل تعالج بيانات وفق نماذج رياضية ، وقد تنتج مخرجات لم يتوقعها حتى مطوروها.

هنا تبدأ المنطقة الرمادية ..

الفرق بين خطأ الإنسان وخطأ الخوارزمية 

حين يخطئ طبيب أو مهندس أو سائق ، يمكن للمحكمة أن تسأل :

هل تصرف كما يتصرف شخص حريص في نفس الظروف؟

هل كان بإمكانه توقع النتيجة؟

هل أهمل أو تجاوز حدود الحذر الواجب؟

أما في حالة نظام ذكي ، فقد يكون “الخطأ” نتيجة بيانات تدريب غير متوازنة، أو تحيز خفي في الخوارزمية، أو تحديث تلقائي غير طريقة إتخاذ القرار بمرور الوقت. قد يكون العيب في التصميم أو في طريقة الاستخدام ، أو في بيئة التشغيل نفسها.

النتيجة قد تكون واحدة : ضرر وقع بالفعل .. لكن طريق الوصول إلى مصدر الخطأ يصبح متشعباً ومعقداً.

 سلسلة المسؤولية … من المطور إلى المستخدم 

إذا أخطأ نظام تشخيص طبي معتمد في مستشفى ، وتسبب في تفويت حالة حرجة ، فمن يُسأل؟

الطبيب الذي اعتمد على التوصية التقنية؟

الشركة المطورة التي صممت النموذج؟

الجهة التي زودته بالبيانات؟

أم المؤسسة التي لم تضع بروتوكول مراجعة بشرية صارم؟

في الواقع ، لا تعود المسؤولية خطاً مستقيماً ، بل تتحول إلى شبكة مترابطة من الأطراف. قد يتحمل الطبيب مسؤولية إذا تخلى عن واجبه المهني في التحقق المستقل. وقد تتحمل الشركة المطورة المسؤولية إذا ثبت وجود خلل في التصميم أو إهمال في الاختبارات. وقد يتحمل المستخدم جزءاً من التبعة إذا استعمل النظام خارج نطاقه المحدد.

بعبارة أخرى ، الذكاء الاصطناعي لا يُنتج مسؤولية أحادية ، بل مسؤولية موزعة ، تتحدد وفق ملابسات كل واقعة.

 مقاربات قانونية مختلفة 

في الإتحاد الأوروبي ، يسود توجه يمنح أولوية واضحة لحماية المتضرر. هناك مساعٍ لتحديث قواعد مسؤولية المنتج بحيث يسهل على الضحية إثبات الخطأ في الأنظمة المعقدة ، بل وتخفيف عبء الإثبات عندما يكون من الصعب تقنياً كشف آلية الخلل.

الفلسفة هنا واضحة : من يطرح تقنية متقدمة في السوق يجب أن يتحمل مخاطرها.

أما في الولايات المتحدة ، فالمقاربة تميل إلى الإعتماد على قواعد الإهمال ومسؤولية المنتج التقليدية، مع ترك مساحة واسعة للابتكار وعدم تقييده بتنظيمات استباقية صارمة. هناك خشية من أن يؤدي التشدد إلى خنق التطور التقني في مراحله المبكرة.

الاختلاف ليس تقنياً فقط ، بل فلسفي أيضاً 

هل نُقدم الحماية المطلقة للمتضرر ، أم نوازن بين الحماية وحرية الابتكار؟

فكرة الشخصية القانونية للآلة 

طرحت بعض الأصوات اقتراحاً جريئاً : منح أنظمة الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية مستقلة ، أشبه بالشخصية الاعتبارية للشركات. الفكرة تبدو للوهلة الأولى جذابة ؛ كيان يمكن مساءلته مباشرة.

لكن سرعان ما تظهر الإشكاليات 

كيف يُنفذ حكم قضائي على نظام لا يملك ذمة مالية مستقلة؟

من يمول التعويضات؟

وهل سيؤدي ذلك عملياً إلى هروب البشر من المسؤولية بدعوى أن “الخوارزمية قررت”؟

لذلك يتجه الرأي الأرجح إلى تطوير قواعد المسؤولية القائمة بدل خلق “شخص إلكتروني” جديد، بحيث تظل المساءلة مرتبطة بالبشر والجهات التي تصمم وتشغل وتستفيد من هذه الأنظمة.

 القانون أمام إختبار تاريخي 

ليست هذه المرة الأولى التي يواجه فيها القانون ثورة تقنية. الثورة الصناعية فرضت إعادة تعريف لمسؤولية أصحاب المصانع. انتشار السيارات استدعى قوانين مرور وتأمين جديدة. الإنترنت بدوره أعاد تشكيل مفاهيم الخصوصية والملكية الفكرية.

اليوم ، يقف الذكاء الاصطناعي على الخط ذاته : 

ليس كتهديد للنظام القانوني ، بل كتحدٍ لمرونته.

السؤال لم يعد : هل يمكن مساءلة الذكاء الاصطناعي؟

بل أصبح : كيف نعيد توزيع المسؤولية بطريقة عادلة تضمن تعويض المتضرر ، وتحافظ في الوقت ذاته على بيئة تشجع الابتكار ولا تخنقه؟

في المسافة الفاصلة بين سرعة الخوارزمية وبطء التشريع ، تتشكل معركة جديدة للعدالة.

ومستقبل هذه المعركة لن يحدد فقط مصير التكنولوجيا ، بل سيحدد شكل العلاقة بين الإنسان والآلة في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!