مقالات

حين يُصبح القرار النووي مقامرة وجود

✍️ يوحنا عزمي

يتداول البعض في هذه الأيام سيناريو توجيه ضربة نووية إلى إيران وكأنها خيار عسكري سهل يمكن أن يحسم الصراع بضغطة زر ، لكن هذا الطرح يتجاهل معطيات الجغرافيا والعقيدة العسكرية والواقع الاستراتيجي المعقد الذي يحكم المنطقة.

فإيران ليست دولة صغيرة يمكن إخضاعها بضربة خاطفة أو عملية جراحية محدودة ، بل هي مساحة شاسعة تقارب في امتدادها مجموع عدة دول أوروبية كبرى مجتمعة ، وهو ما يجعل فكرة “الضربة القاضية” أقرب إلى التصور النظري منها إلى الحسابات العسكرية الدقيقة.

الاتساع الجغرافي وحده كفيل بتشتيت أي تأثير مباشر لسلاح تقليدي أو حتى غير تقليدي ، فكيف إذا أضفنا إلى ذلك طبيعة الأرض نفسها التي تُعد واحدة من أعقد البيئات الجبلية في العالم.

التضاريس الإيرانية ليست سهولًا مفتوحة أو مدناً مكشوفة يسهل استهدافها ، بل سلاسل جبلية تمتد من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب ، بتكوينات وعرة ومعقدة تشبه إلى حد بعيد جغرافيا أفغانستان ، بل إن بعض الخبراء يعتبرها أكثر تحصيناً من حيث العمق الإستراتيجي.

هذه الجبال ليست مجرد تضاريس طبيعية ، بل تحولت خلال العقود الماضية إلى شبكة هائلة من الأنفاق والمنشآت المحصنة، حيث أُعلن عن جزء يسير مما يُعرف بالمدن الصاروخية تحت الأرض ، فيما يبقى الجزء الأكبر خارج دائرة الإعلان. وعندما نتحدث عن منشآت مبنية داخل أعماق صخرية صلبة ، فإن أي تصور لتأثير ضربة نووية عليها يصبح محل تساؤل كبير ، لأن طبيعة التحصين والانتشار والتوزيع تقلل من فكرة “الشلل الكامل” الذي يفترضه البعض.

الأمر لا يقتصر على الجغرافيا ، بل يتعداه إلى عنصر الغموض المتعمد في الترسانة العسكرية. إيران ، وفق تصريحات مسؤوليها وتحليلات مراكز الدراسات ، لا تكشف عن كل ما تملكه ، بل تعتمد سياسة الردع بالغموض ، وهو نهج معروف في العقائد الدفاعية حين يكون الإعلان عن كل القدرات مجازفة مجانية. هذا الغموض هو أحد الأسباب التي تجعل القوى الغربية ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة ، تتعامل بحذر شديد مع خيار الحرب الشاملة، لأن الدخول في صراع مع خصم يخفي أوراقاً غير معلنة يعني إحتمال مواجهة مفاجآت ميدانية غير محسوبة. لذلك ظل الخيار العسكري المباشر مؤجلًا لسنوات طويلة، مع الاكتفاء بالعقوبات والضغوط الاقتصادية والحرب غير المباشرة.

ثم إن السؤال الجوهري الذي يتجاهله أنصار سيناريو الضربة النووية هو : ما الهدف العسكري المحدد الذي يمكن أن يتحقق؟

هل المقصود تدمير جيش يتحرك في أرض مفتوحة؟ أم منشأة واحدة يمكن بضربها إعلان النصر؟ أم مدينة كبرى مثل طهران التي يقطنها ملايين المدنيين؟ وإذا كان الهدف المعلن في أي خطاب سياسي هو “تحرير الشعب من النظام”، فكيف يُعقل أن تكون الوسيلة قتل أعداد هائلة من هذا الشعب نفسه؟

إن استخدام سلاح نووي في بيئة سكانية كثيفة سيحول أي خطاب أخلاقي إلى تناقض صارخ، فضلًا عن التداعيات الإنسانية والبيئية التي لن تتوقف عند حدود الدولة المستهدفة.

وحتى إذا افترضنا – نظرياً – أن إيران لا تمتلك سلاحاً نووياً ، فإن الرد التقليدي واسع النطاق سيبقى احتمالًا قائماً بقوة. الحديث هنا لا يدور فقط عن صواريخ باليستية ، بل عن قدرات صاروخية متطورة ومتنوعة ، بعضها فرط صوتي وفق ما يُعلن رسمياً ، ما يعني أن أي ضربة استراتيجية ستقابل بمحاولة إحداث توازن ردعي عبر استهداف منشآت حساسة في الجهة المقابلة ، سواء كانت بنى تحتية حيوية أو منشآت طاقة أو مرافق صناعية.

وحين تدخل المنطقة في دوامة ردود الفعل المتبادلة، فإن نطاق النار لن يبقى محصوراً ، بل سيتسع ليشمل ممرات الطاقة وحقول النفط والغاز ومواقع استراتيجية في أكثر من دولة ، ما يحول الصراع من مواجهة محدودة إلى حرب إقليمية مفتوحة ذات أبعاد عالمية.

من الناحية التقنية أيضاً ، كثيراً ما يُبالغ في تصوير التأثير الجغرافي للقنبلة النووية الواحدة. صحيح أن آثارها التدميرية هائلة ، لكن نطاق الدمار المباشر يظل محكوماً بعوامل عدة ، من بينها القدرة التفجيرية وطبيعة الأرض والكثافة السكانية. وفي دولة بمساحة إيران وتضاريسها الجبلية وانتشار منشآتها تحت الأرض ، فإن الحديث عن “حسم شامل” بضربة واحدة أو حتى عدة ضربات يبدو تبسيطًا مخلًا. بل إن أي استخدام لهذا السلاح سيكسر أحد أخطر المحظورات في النظام الدولي المعاصر، ما يفتح الباب أمام سباق تصعيد غير مسبوق.

أما سياسياً ، فكل الإدارات الأمريكية السابقة ، رغم اختلاف توجهاتها ، تعاملت مع الملف الإيراني بحسابات دقيقة ، إدراكاً منها أن كلفة الحرب المباشرة قد تكون أكبر بكثير من أي مكسب محتمل. لذلك كان خيار العقوبات، والعزل ، والضغط الدبلوماسي، والعمل الاستخباراتي غير المباشر هو المسار الغالب. فالدخول في مواجهة مفتوحة مع دولة بحجم إيران وقدراتها يعني الانخراط في صراع طويل ومكلف وغير مضمون النتائج ، في منطقة هي أصلًا مشتعلة ومعقدة التوازنات.

لهذا كله ، يبدو أن الحديث عن ضربة نووية أقرب إلى خطاب عاطفي أو تهويلي منه إلى خيار عملي قابل للتنفيذ. فصانع القرار، مهما بلغ اندفاعه ، يدرك أن استخدام هذا النوع من السلاح ليس مجرد خطوة عسكرية ، بل لحظة فاصلة قد تعيد تشكيل النظام الإقليمي والدولي بأكمله ، وتضع الجميع أمام تداعيات لا يمكن احتواؤها بسهولة. ومن ثم فإن احتمال اللجوء إليه يظل بعيدًا، ليس بدافع الرحمة وحدها، بل بدافع الإدراك البارد لحجم العواقب التي قد ترتد على من يبدأ بها قبل أن تصيب من وُجهت إليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!