مكحلة السيوف

زينب عبد الحفيظ محمد
أزاحت السماءُ غيومَها لتشاهدَ عجائبيةَ اللوحةِ المرسومةِ على نَدَفِ الرمال؛ مشهدٌ يمزجُ بين الفنِّ والوحشية، التفتت فيه الطبيعةُ لتراقبَ زحفَ الحشود، بجنوبِ غربِ القدس، وقفَ مَن اتخذهم التاريخُ أساطيرَ متفردة؛ جيشٌ كاسحٌ من المسلمين، متفرقُ الفِرَق، لكلِّ قائدٍ زحفٌ بفرقتهِ إلى أجنادين حيث التجمعُ المعهود.
اضطربت الصفوفُ الأجنبية خوفاً من صيحاتِ التكبير؛ حشدٌ روميٌ بقيادة “تذارق” شقيق الإمبراطور “هرقل”، الذي جاء بسيفٍ قاطعٍ لتجمع العرب، فقفز على صهوة حصانه، وجرَّ خلفه أهوالَ المعركة، جيوشاً مهولة وأسلحةً براقة، قوةٌ قد تهتزُّ لها القلوب والنية قطع طرقَ الجيشِ المتفرقِ،
ولكن التقت الجيوشُ وتوحدت، ووجد الرومُ أنفسهم أمام قلوبٍ لم تُخلق لتخزين مشاعر الخوف، بل لتضخَّ دماءَ العزيمة. الخوفُ الذي كان يترصدُوا لقاءَه في عيونِ المسلمين، رآه “تذارق” خلفه بوجوهِ جنوده وعلى جفونهم المرتجفة. حينها برزَ “ضرار”؛ أخي، الشيطانُ عاري الصدرِ كما أطلقَ عليه الروم، وتبارزَ مع أحد قادتهم دون هوادة.. معركةٌ جنونيةٌ، ولدتُ من رَحِمِها أنا.. خولة بنت الأزور.
أُبصرتُ كتناقضٍ غيرُ مألوفٍ لنعومةِ جسدٍ شديدِ البأس؛ أن أقفَ بأرضِ فلسطين وقفةً يرتعدُ لها ذوو الشواربِ الشقراء، وتتهيبُ لأجلي غلظةُ الكفوف، وتنفرُ العروقُ من الجلودِ لتطلَّ على هيئتي. لا جَرَمَ أنني أنافسُ ألوانَ الفراشةِ دلالاً في خلوتي، لكن حينما يروقُ لي ركوبُ الجياد، نزعتُ عقدةَ “التاء المربوطة” وانزلقتُ خلسةً عبر السطور، أضربُ الأرضَ بقوةٍ تنافسُ رعدَ السماء.
أشاطرُ الغزاةَ ساحةَ الفناء، متشحةً بثوبِ أصحابِ الحق، ومتقنةً حرفةَ أهل الشدة؛ خولةُ سُميتُ، بنتُ الأزورِ أبي، وخلفَ اسمي تقبعُ كنيةُ إحدى أسماءِ الوحوش. تنقلتُ بشبحي الملثمِ بين اصطكاكِ الدروع أتوارى من مطرِ السهام، جسدُ أنثى لا يتمايلُ إلا لشقِّ الصفوف. برزتُ في التاريخ بوضوحِ نصلِ سيفٍ بين مكاحلِ العيون، تعرفني أراضي بلاد الشام بالفتاةِ الأجرأ، كعاصفةٍ انطلقت من قلب الغبار.
استقامت بنيتي في بيتٍ عُرف بالشجاعة، أشاكسُ أخي “ضرار”، فينافسني في القوة. هو من وضع بيدي الخنجر وعلمني كيف ألوحُ به وكيف أغرزه مهارةً وقتالاً. لم تستغربني ساحاتُ الوغى، فقد عرفتْ وقعَ أقدامِ جوادي الذي كان يندسُّ خلسةً بين الرجال؛ خضتُ الحروبَ خفيةً من قبل، صاقلةً مهاراتي في مناوشاتٍ لم يلتفت إليها أحد، فكنتُ كالنارِ تحت الرمادِ تنتظرُ هبوبَ رياحٍ تذكيها.
ضرارٌ أخي؛ ظهري وأنا ظهرٌ له، وكلانا ظهيرٌ للآخر. وحين انكسرَ الفؤادُ عليه بذروةِ معركةِ أجنادين، خبأتُ وجهي وأظهرتُ ما فيّ من بأس، وتفحصتُ الميدانَ بفراسةِ النسور؛ حينما وقعَ أخي في مأزق، وأمسك به الرومُ بمخالبهم واتُّخذ أسيراً. حينها غضضتُ الطرفَ عن رقةِ بنيتي، وخرجتُ أقاتلُ في الصفوفِ الأولى؛ تجلت مهارتي القتالية، وتصلبت عضلاتي.
رأيتُ دهشةَ جنودِ الإسلام وأنا أنطلقُ بشجاعةٍ نحو العدو، طرقت برأسي أبواقُ الخطر، وتشتتَ البعضُ اشتباهاً في أمري. كنتُ أشعرُ بذهولِ القادة، وبالخصوص “خالد بن الوليد”، وأنا أخوضُ بين الحشود كأنني عاقدةٌ مع الموتِ عهداً ألا يأتيني الآن، شققتُ صفوفَ الرومِ مستعرةً بالقتال، لم أنتظر أحداً، بل كنتُ الإعصارَ الذي يفتحُ الطريق لجيشٍ خلفي ذُهل بفعلي، حتى وصلتُ إلى أخي؛ فككتُ أسره بيديّ، ووقف بجانبي يقاتلُ بكل ما أورثه له القيدُ من لهيب.
وحين انجلت الغبرة ووقع النصرُ، وهدأت عاصفتي، وقفتُ أمام الأميرِ خالد بن الوليد كطفلٍ مذنب، تفحصَ هيئتي ولثامي الذي حال بيني وبين نفحاتِ الهواء، وسألني باستنكارٍ يفيضُ حيرةً عن هويتي. نظرتُ نحو أخي الذي كان يبادلني النظراتِ بفخرٍ شديد ؛ يعرفُ أخي قوتي، لكنه أيضاً أصيبَ بالمفاجأةِ حينما رآني أخرجُ له من بين الرومِ كيمامةٍ تتراقصُ بصفوفِ الغربان.
أصابني الحرجُ وأنا أكشفُ له عن وجهي، مرددةً اسمي وسبب هجومي. ألقيتُ كلماتي بترددٍ وخجل وسردتُ له كيف أخرجني نبأُ وقوعِ أخي من حذري، فانطلقتُ مع رياحٍ أصدُّ عن عينايَ رذاذَ الصحراء. فلم أرَ منه الوجوم، بل افترّت شفتاه عن ابتسامةٍ جانبيةٍ وهزَّ رأسه مستحسناً لحديثي، ثم أثنى على شجاعتي وقال: “تالله”، وقد بدا في ظنّي هامساً أن هذا الجنديَّ الخاليَ من الخوفِ لم يكن إلا فارساً من “حِمير” أو شجاعاً من بلادِ “اليمن”. عبر عن إعجابه بمهارتي وسمح لي بالاستمرار في مقدمة الجيش، حتى غدوتُ أخرجُ في المهمات الصعبة بجانب كبار الصحابة.
لستُ مجردَ امرأة، بل أنا نصلٌ لا يعرفُ الالتواء، صُهر في نيرانِ الشام؛ برهنتُ أن المرأةَ الناعمةَ الخَلْق تستطيعُ أن تواكبَ عمالقةَ الدنيا، وتدهسَ بإيمانِها كلَّ زيف.
أنا خولة بنت الأزور بن أوس، من بني أسد.



