ابداعات

بينهم بلا سند

آلاء شعبان

 

 

من منّا لا يحب شعور الأمان والألفة حين يجتمع بعائلته حول مائدة طعام عليها كل ما لذ وطاب،

نحن لا نكون سعداء بالمائدة، بل بما يُحيط بها، هل أحد عاش هذا؟

 

بالطبع، حتى ولو مرة، لكن الأطيب من كل هذا ألا تفقده، لأن الحال عند فقده يكون أكثر سوءً، كأنك كنت تتقلب في النعيم، وفجأة أحاط بك الشقاء كإحاطة الشيء اليابس بالمبلل فيتيبس به.

 

 

وفي وسط عالمٍ مليء بالبشر والعمران، ومن بين الجميع كنتُ أنا الوحيد، أبي أخذه المرض وذهب قبل أن يعلمني شيئًا، تركني للدنيا تهددني تارةً، وتمدّ لي يد الأمان تارة أخرى، كأنها أم تحفظ النصائح لكنها لا تقوى على تنفيذها.

 

 

كبرتُ وأنا وحيد، أخٌ لبناتٍ كثيرة، ومسؤولية أمي وإخوتي على عاتقي، حاولتُ أن أتعايش مع عائلتي، بذلت لهم كل ما في وسعي، صدقتُ معهم قولًا وفعلًا، لكنهم لم يصدقوا معي، استكثروا عليّا الهموم، ظنًّا منهم أنها نعيم، لكني والله لم أرَ النعيم منذ وفاة والدي.

 

كبرتُ أكثر، ما بين رجلٍ أراد الحياة، ورجلٍ آخر أنهكته الحياة، تزوجتُ، أنجبتُ، بينما ذهب إخوتي إلى حياتهم الجديدة، ما بين مسؤولية أبناء وبيوت أخرى بعيدة عن صراعي أنا، لكنني كنتُ أخشى أن يعيش أولادي ما عشته، فحاولتُ جاهدًا أن أرسم لهم طريقًا أكثر أمانًا، حتى لا ينخدعوا بمن حولهم كما انخدعتُ أنا.

 

لكن الحياة ما زالت ضدي، سنواتٌ ليست بالقليلة عشتُ فيها كل شيء؛ بُعد، زواج، انتصار صغير، وكابوس جديد، ويظل الكابوس الأبدي أن حتى من ظننتُ فيهم السند ضد الحياة، كانوا هم من يدفعونني إلى مهب الرياح لأقف وحدي، ويقفون كعائلة ينظرون لي بابتساماتٍ ماكرة ظننتها يومًا تشجيعية.

 

 

ليتني لا أتذكر شريط عمري وأعيش وقتي باستمتاع، لكنّ وقتي يأبى أيضاً العيش، كل يومٍ أرى أفعالًا ترهق روحي وتزعج بصيرتي

إنهم أنفسهم عائلتي، الذين دعمتهم، وقصرتُ عمري لأجلهم، وهم مازالوا يظلمونني، حتّى أمس.

 

 

أمس، تشاجرتُ مشاجرة عنيفة أنا ومن ظننته أخي، كانت ردودهِ قاسية وأنا صامت، هيئته عدوانية وأنا مندهش، أضحك حزنًا على نيتي الباهتة، سمعتُ منه ما لا أحب أن أسمع، وكان بوسعي أن ألقي على مسامعه أيضاً ما لا يحب أن يُسمع، لكن هول الصدمة ألجم لساني بكلاليب يصعب فكها، أما عائلتي فكان ردها المعتاد أنني المذنب،

اعتدت على ردهم هذا، حفظه مسمعي، كأنه لم يسمع سواه منهم يومًا.

 

لا أتذكر ما شعرتُ به حينها، لكنني أتذكر أن شيئاً ما آلام قلبي، أعتقد أنه الخذلان،

وعندما سمعتُ منهم الرد نفسه، ابتسمت، ليس لردهم.. إنما لأنني انتظرتُ جديدًا

 

هذه هي الحياة وهذه هي العائلة التي ظننت أنها السند بعد وفاة أبي، لكنني منذ موته وأنا فقدتُ السند.

 

 

لا أحب البوح بكل هذه الأشياء، أفضل الصمت، لكنكم طلبتم الحقيقة، وأنا لا أقول سوى الحقيقة

ربما بعضكم لن يصدق،

والآخر سيظن أنني الشرير،

وبعضكم يعيش كل هذه التفاصيل،

والبعض الآخر سيتعلم،

وربما هناك من يحاول الصفح ظنًّا منه أنه يتخطى،

أما أنا فقد بوحتُ، وسأصمت بعدها، ربما أتحدث مرة أخرى، لكنني لا أعلم متى!.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى