مقالات

لماذا تتجه أنظار القوى الكبرى إلى القرن الإفريقي؟

✍️ يوحنا عزمي

في وسط التحولات المتسارعة التي يشهدها القرن الإفريقي، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة من إعادة رسم خرائط النفوذ والتوازنات الاستراتيجية. فالمشهد لم يعد مجرد تنافس تقليدي بين قوى إقليمية ودولية على موانئ أو ممرات بحرية ، بل أصبح أقرب إلى عملية إعادة هندسة سياسية وأمنية واسعة النطاق تستهدف واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، وهي المنطقة المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الشريان الحيوي للتجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي.

الاهتمام المتزايد بمدينة بربرة الواقعة في إقليم أرض الصومال يأتي في هذا السياق تحديداً. فالتقارير التي تحدثت عن تحليق طائرات أمريكية من طراز “أوسبري” على ارتفاعات منخفضة فوق المدينة ، بالتزامن مع زيارات عسكرية أمريكية رفيعة المستوى ولقاءات مع قيادات الإقليم ، لا يمكن قراءتها باعتبارها تحركات عسكرية عادية أو مجرد أنشطة استطلاعية. فمثل هذه الخطوات تحمل في العادة رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز بعدها العسكري المباشر ، خاصة عندما تتعلق بمنطقة تمتلك موقعاً استثنائياً على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

المؤشرات المتراكمة خلال الأشهر الأخيرة توحي بأن واشنطن تسعى إلى توسيع خياراتها الاستراتيجية في القرن الإفريقي، سواء عبر تعزيز وجودها العسكري المباشر أو من خلال بناء شراكات أمنية جديدة تمنحها هامشاً أكبر للتحرك في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. ومن هذا المنطلق، تبدو بربرة بالنسبة لصناع القرار الأمريكيين موقعاً مثالياً يوفر مزايا لوجستية وعسكرية يصعب تجاهلها، خصوصاً في ظل التوترات الأمنية المتزايدة في البحر الأحمر، والتحديات المرتبطة بحرية الملاحة الدولية، والتنافس المتصاعد مع القوى الدولية الأخرى.

لكن المسألة لا تتوقف عند حدود الحسابات الأمريكية وحدها. فإقليم أرض الصومال، الذي يسعى منذ عقود للحصول على اعتراف دولي باستقلاله عن الصومال، بات يمثل ورقة جيوسياسية مغرية لكثير من الأطراف الدولية والإقليمية. ومن هنا تبرز المخاوف من أن يتحول ملف الاعتراف بالإقليم إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، خاصة إذا ارتبط الأمر بمشروعات عسكرية أو أمنية طويلة المدى تمنح هذا الكيان وضعاً سياسياً مختلفاً عن الواقع القائم حالياً.

في المقابل، تنظر الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو إلى هذه التطورات باعتبارها تهديداً مباشراً لوحدة الدولة وسيادتها. فبالنسبة للقيادة الصومالية، لا يتعلق الأمر فقط بإقامة منشأة عسكرية أجنبية أو بتعزيز النفوذ الخارجي في منطقة معينة، وإنما بترسيخ واقع سياسي جديد قد يفتح الباب أمام تكريس الانفصال وتحويله إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه مستقبلاً. ولهذا تبدو ردود الفعل الصومالية مفهومة من منظور الحفاظ على وحدة الدولة ومنع أي مسارات قد تؤدي إلى تفكيكها.

أما مصر، فإن قراءتها للمشهد تنطلق من اعتبارات أمن قومي أوسع تتجاوز الحدود الصومالية ذاتها. فالقاهرة تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها الاستراتيجي، وترى أن أي تغييرات جذرية في معادلات السيطرة والنفوذ داخل هذا الممر الحيوي قد تنعكس بصورة مباشرة على مصالحها الاقتصادية والأمنية، وعلى رأسها أمن الملاحة المرتبط بقناة السويس. لذلك جاءت خطوات التقارب المصري مع مقديشو خلال الفترة الأخيرة في إطار رؤية تستهدف الحفاظ على التوازنات القائمة ومنع ظهور ترتيبات إقليمية جديدة قد تؤثر على مصالح القاهرة طويلة المدى.

وفي المشهد ذاته، تبرز تركيا كلاعب يصعب تجاهله. فأنقرة استثمرت على مدى سنوات في بناء نفوذ سياسي وعسكري داخل الصومال، وأقامت علاقات استراتيجية عميقة مع الحكومة الفيدرالية هناك. ولذلك فإن أي مشروع يعيد تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي سيكون له تأثير مباشر على المصالح التركية، وهو ما يفسر استمرار الدعم التركي لمقديشو سواء على المستوى الأمني أو العسكري أو التنموي.

المثير للاهتمام أن التطورات الأخيرة أوجدت مساحة تقارب غير مسبوقة بين القاهرة وأنقرة في هذا الملف تحديداً، رغم سنوات طويلة من التنافس الإقليمي واختلاف الرؤى في العديد من القضايا. فحين تتقاطع المصالح الاستراتيجية الكبرى، تصبح الحسابات الجيوسياسية أكثر أهمية من الخلافات السياسية التقليدية، وهو ما يفسر تشكل حالة من التوافق النسبي بين الطرفين تجاه ضرورة الحفاظ على وحدة الصومال ومنع فرض ترتيبات جديدة بالقوة.

على الجانب الآخر، تبدو الحسابات الخليجية أكثر تعقيداً وتشابكاً. فبعض دول الخليج تمتلك استثمارات ضخمة في موانئ ومشروعات لوجستية داخل المنطقة، ما يجعلها معنية بالاستقرار من جهة، وبالحفاظ على مصالحها الاقتصادية من جهة أخرى. ولذلك تتسم مواقفها بدرجة عالية من البراغماتية، حيث تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين مختلف الأطراف دون الانخراط الكامل في أي محور على حساب آخر.

أما السعودية، فتنظر إلى البحر الأحمر باعتباره فضاءً أمنياً حيوياً يرتبط مباشرة بمشروعاتها الاقتصادية الكبرى ومستقبل خططها التنموية. ومن هذا المنطلق تميل الرياض إلى دعم استقرار المنطقة والحفاظ على وحدة الدول القائمة وتجنب أي سيناريوهات قد تدفع نحو مزيد من التفكك أو الصراعات المفتوحة، مع تفضيل أدوات الدبلوماسية والوساطة على الانخراط في مواجهات مباشرة.

في النهاية، ما يجري في القرن الإفريقي اليوم يتجاوز بكثير حدود الخلافات المحلية أو النزاعات التقليدية حول النفوذ. نحن أمام صراع أوسع يتعلق بمستقبل الممرات البحرية العالمية، وبإعادة توزيع مراكز القوة في واحدة من أكثر المناطق حساسية على الخريطة الدولية. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت المنطقة ستشهد مزيداً من التصعيد، بل ما إذا كانت القوى الإقليمية والدولية ستتمكن من إدارة تناقضاتها ضمن حدود المنافسة السياسية، أم أن سباق النفوذ المتسارع سيدفع القرن الإفريقي إلى مرحلة أكثر اضطراباً قد تكون لها انعكاسات تتجاوز المنطقة بأسرها لتطال حركة التجارة العالمية وأمن البحر الأحمر لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى