ابداعات

المليكة

المهند إسلام 

 

رائحةُ رمالٍ ممزوجةٌ بماءٍ مالح،

هواءٌ باردٍ مع شبورةٍ صفراء،

وثلاثةُ فُرسانٍ يتخذونَ مواقعهم،

يستعدون للبداية.

 

أوّلهم،

ذو حصانٍ أسودٌ فحمي،

ذا شعرٍ مجعدٌ طويل،

أسودٌ، بخصالٍ شقراء،

وجهٌ حاد،

أبيض محترق.

والعينانِ كالوجه في الحدة.

أما عن ملابسه،

سترةٌ قطنيةٌ سوداء كاشفةٌ عن كتفيه،

وبنطالٍ أزرق ضيق.

لا يملكُ أي هباتٍ غيرَ كلامٍ معسول،

معارف واسعة،

وعائلةٍ ذات مال،

من أشهرِ عائلاتِ الأسكندرية.

طعامهُ المُفضل؟

ربما كانَ السوشي.

وربما كان مغنيه المفضل وجدهُ بينَ القماماتِ مع أصدقائه،

تلكَ الأغنيات الشعبية التي تُعجبُ بها في الأفراح.

يستعدُ بحصانهِ الأسود،

عيناهُ الزرقاوانِ تراقبُ الفارسَ الثاني،

ذا الحصانِ الأبيض.

 

شعرٌ مُجعد،

أسودٌ حاد.

ملامح فرعونية،

ببشرةٍ بيضاء.

جسدٌ رياضي،

وملابسٌ حديثة.

سترةٌ بيضاء،

بخطوطٍ سوداء،

وكلمة “ماڤن” تتوسطُ صدره.

بنطالٍ قصيرٍ أسودٌ واسع،

يصلُ حدَّ ركبتيه.

وحذاءٍ أسودٌ بين ركابِ حصانهِ الأبيض.

ربما كان مغنيه المفضل هو “لو رييد”،

عميقٌ ومُفكر.

وربما كانَ موسى سام،

رابٌ حديث.

صوتُ مفاتيح البورش تصدرُ أصواتًا بين أصابعه،

بينما يُوجهُ السياجَ نحو المنتصف،

مبعدًا عينا جوادهِ عن الفارسِ الأخير،

الفارسِ الرمادي.

 

شعرٌ ناعمٍ مموج،

بني كان أم أسود،

أم لونٌ بينهما.

وجههُ أحمر محترق،

وأنفهُ تتميزان ببثورٍ سوداء.

أبعدَ عيناهُ البنيتانِ عن الفارس الأبيض،

ليضبطَ قميصهُ الرمادي،

ممزوجٌ بمربعاتٍ بيضاء.

بنطالِ كتانٍ أبيض،

وحذاءٍ رمادي.

ربما كانت فنانتهِ المفضلة إليزابيث جراند،

حالمة، حزينة.

وربما كانَ “تشاك تايملي”، روحهِ كموسيقاه،

بينَ الرابِ والريف الأمريكي.

 

أعلنت أعينهم أنهم على وضعِ الإستعداد،

لم يكن هناكَ حكمًا لسباقهم،

كانت نظراتهم، هي من أعلنت البدءَ،

كانت أعينهم.. هي من أطلقت ضربةٌ المسدس،

معلنًا الحرب..

السباق..

معلنًا الركض.

 

بدأ ثلاثتهم بالركضِ سريعًا،

بدئا بالسباقِ نحو جائزتهم.

تمثالٌ فضي،

يقبعُ في نهاية الصحراء،

وعند بدايةِ البحر.

تمثالٌ كانَ حوريةُ بحرٍ للفارس الأسود.

تمثالٌ كانَ أميرةٌ مملكةٍ ملحمية للفارس الأبيض.

تمثالٌ كانَ زوجةٌ مستقبلية، وقدرًا للفارس الرمادي.

تمثالًا رأى ثلاثتهم إسمهُ بوضوح،

علموا الإسمَ حقَ علم.

“المليكة”.

وكانت تلكَ المليكة هي روحٍ بينَ ثلاثتهم،

تُنشدُ في آذانِ ثلاثتهم مختلفَ الأغنيات.

تنشدُ لثلاثتهم الحب.

 

وبينما تبدأُ رائحة المجهود بالانتشار،

والرمال في البعثرة،

والأحصنةُ في أصواتِ أنفاسهم التعبة.

يرى الفرسان الثلاثة أعلامٍ في الطريق.

 

رأى الفارس الأسود الأعلامَ خضراء،

لذا أسرعَ جوادهُ بالركض.

رأى الفارسُ الأبيض الأعلامَ حمراء،

لذا أوقفَ جواده، 

معلنًا انسحابه،

وأذهبَ روحُ المليكة عن أذنيه.

لكنهُ نظرَ قلقًا نحو الفارس الأسود،

نظرَ مشجعًا للفارس الرمادي.

وبادره الفارس الرمادي بنظرةِ امتنان.

أما عن ما رآهُ الفارسُ الرمادي،

فقد رأى الأعلامَ حمراء،

لكنهُ أغفلَ عنها، 

وأكملَ الركض.

كان مؤمنًا أن الجائزة تستحق،

وأن عوالم الجميعَ تحتوي على أعلامِ حمراء،

وعلى الأطرافِ الأخرى تجاهلها.

 

كانَ تحتَ العلم الأول الكثير من المال،

مما يظهرُ اختلاف الطبقاتِ بينه،

وبين جائزته.

أنشدت الروحُ في أذنه.

نظرَ للفارسِ الأسود ممسكًا غضبه.

أكمل الفارسُ ركضه.

 

حتى واجههُ العلمُ الثاني،

كانَ أحمر، تحتهُ حجابٍ ملقى على الأرض،

مما يدل على اختلاف مقدار التدين، بينه وبينَ جائزته.

أنشدت الروحُ في أذنه.

نظرَ لضبابِ مبادئهِ من حوله وقال

“أستطيعُ تغييرها.”

وأكمل الفارسُ ركضه.

 

حتى رأى آخرُ علمٍ احمر،

يقفُ تحتهُ الكثير من الرجال،

من نفسِ عمره.

يلعبون الشطرنج.

مما يدلُ على أن جائزتهُ على علاقةٍ مع الكثير.

الكثير من الشباب، 

لاعبي الشطرنج.

كتمَ غيظه.

أنشدت الروحُ في أذنه.

أكمل الفارسُ ركضه.

 

اشدت سرعةُ الفارسين عندَ قربِ النهاية،

اشدت المنافسة بينهما،

وفي أعينهم تشتعلُ النيران،

نيرانٌ سوداء،

ورمادية.

وعند رؤيةُ التمثال،

ورؤيةُ البحر.

رأى الفارسُ الأسود البحرَ أزرق.

بينما تلون البحرَ في عيني الفارس الرمادي،

تلونَ بلهيبٍ أسود.

وتركت الروح أذنيه،

تركت المليكة فارسها الرمادي،

وذهبت لأذنِ الفارس الأسود،

تسرعُ ركضه،

تدفعُ حصانه،

تقبلُ وجنتيه.

حتى وصلَ لتمثاله الموعود.

وحصلَ الفارس الأسود على المليكة.

وبينما عينا الفارس الرمادي تنحدرُ طريقها نحو ما يراه،

نحو الظلم،

الخيانة،

الغش.

تنفلتُ يداه عن السياج،

ويركضُ حصانه نحو البحرِ الأسود،

عيناهُ وحصانهِ،

 تنزفُ دموعًا،

بلون البحر،

دموعًا سوداء.

ويتركُ الفارس الرمادي يداه،

يتركُ تحكمه بجواده،

ليتحكم الجواد بفارسه،

ليقوده نحو البحر،

ليقوده نحو القاع،

نحو الغرق.

وعينا الفارس البنيتين ثابتتانِ على الفائز،

ذا الحصانِ الأسود.

السكندري.

وجائزته،

المليكة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى