سر شفائي| شفاء ابني

آلاء شعبان
إن أصعب ما قد يمر على الإنسان أن يفقد عزيزًا له، ولكن هذا العزيز من نوع خاص، قد نتألم بفقد أحبتنا يومًا أو شهرًا أو حتى دهرًا، لكن من لم أفقده بعد، أفقدني حياتي وروحي.
منذ طفولتي وأنا إنسان يعاني بشدة، لم أكن مدركًا لحجم هذه المعاناة ولا أعرف معناها لصغر سني، في سنتي الرابعة عشرة مرض والدي مرضًا لا يسمح له بالحركة كثيرًا والعمل، وخاصة في فصل الربيع إنه مرض الربو، في بعض الأحيان كان يكاد يفقد تنفسه، فحملت على عاتقي مسؤولية بيتنا وعمل والدي لتكاليف علاجه ولئلا يقف حال البيت
لم ينتهِ الحال هنا، بعد سنة من هذا العمل الشاق لسني الصغير كبرت المسؤولية وكبرت معها معاناتي وكأنها تقول لي: اهدأ وتعود، ستكون حياتك من بداية هذه النقطة
كنّا جالسين، وفي موسم رياح الخماسين اشتد المرض على أبي، وظل قعيد الفراش، وحاله يسوء، كنت أحمل هاتفًا صغيرًا لتلبية الأغراض المهمة به كالاتصال بطبيب أبي مثلًا، ولم تسمح حالتنا بشراء هاتف أفضل
وأنا أجلس بجانب أمي أمسكت بهذا الهاتف، والتقطتُ صورة ضعيفة الجودة له، لم أكن أعلم أنها ستكون صورة الوداع.
ظللتُ أتأمل أبي إلى أن نام بعد جلسته المتعبة، وفقد نطقه، وأصبح جسده متجمدًا، دق قلبي دقة قوية مهزوزة، وأنا صغير طفل لم يبلغ بعد عامه الخامس عشر، لكن حياتي القاسية جعلته خمسةً وعشرين، ونبهتني إلى أن هذا خطر عليّا
ولم أسمع حولي إلا أختي وهي تنادي أمي بصوت خائف: أبي يا أمي جسده أصبح باردًا
لم أنظر لهما، ورفضت التصديق وبسرعة أمسكت بهاتفي وأول رقم اتصلت به، وسمعت صوتًا يقول: أهلًا بك يا يوسف، طمئني، كيف حال والدك الآن؟
وما كان مني إلا أن صوتي يهتز وهو ينطق: والدي في غيبوبة يا دكتور
لم أعرف كيف مرت تلك الساعات، وقام الدكتور بتحويله إلى المستشفى، ولم أعرف كيف أتت سيارة الإسعاف أمام المنزل
كل ما أتذكره هو حملي لأبي على عاتقي، كان أخف من حمل عناء الدنيا، ليته ظل وأنا أحمله بدلًا من أن يتركني أحمل ما لا أقدر عليه.
انتقل أبي إلى العناية المركزة بمستشفى الصدر التابعة للمكان الذي يقربنا لم أملك القدرة على النوم تلك الليلة من كثرة التفكير والتساؤلات:
كيف سأجلس به وحدي؟
هل سأستطيع؟
هل سأجيد التصرف وسط هذا المكان؟
هل سيشفى أبي؟
من سيدير البيت وإخوتي وأمي؟
من سيتكفل بكل هذه المصاريف؟
وأفكر وأفكر، إلى أن سمعت أذان الفجر، ربما من وقت طويل لم أسمعه، تمسكت بالذي جعلني أسمعه وقمت أتوضأ وأصلي
أتى اليوم الثاني وأنا في نفس المكان فيبدو أنه سيكون مكاني الدائم، المسجد التابع للمستشفى، لا يوجد سكن -وربما يوجد- لكن لا أستطيع، فاتخذت الجانب الإيجابي بأني في أأمن مكان، وبأني بجانب والدي
وكان عقلي سيخوض تساؤلًا جديدًا، لكن سمعت صوت الممرضة تنادي: يوسف…
قمت سريعًا وذهبت إليها
رأيت امرأة أربعينية مبتسمة لي، فاستبشرت بها، فقالت لي: عرفت اسمك من سجل الدخول، والدك الآن في العناية، والله أعلم بحاله، لكني أحدثك الآن ولا أحدث والدك، أريد منك أن تكون رجلًا صلبًا، لتقدر على إعانة والدك ونفسك، وتقدر على علاجه.
ثم ذهبت، كأنها تعودت على هذا أو هو دورها هنا،
أهي تعلم أن عقلي أصلًا لم يهدأ عن التفكير، وتريد زيادته؟
رجعت إلى المسجد لأخذ هاتفي وأطمئنهم في البيت، اتصلت بأختي وطمأنتها، أو كما يقولون، وطلبت منهم ملابس لي وأغلقت الهاتف معهم، ومن ثم ذهبت لأطمئن على أبي، فرأيت الدكتور عنده يعمل على الأجهزة، وأبي مازال مغمض العينين.
يتبع…
سر الشفاء
الجزء الثاني
آلاء شعبان
الحب شيء دافئ العائلة توصف أيضًا بالدفء الشتاء رائحته دافئه، لا أنكر شعور الدفء في كل هذه الأشياء، لكن الاشد دفئاً ولا استطاع أحد الحديث عنه هو بقاء والدك جانبك، ربما لأنها من المستحيل لأنه حتمًا دفء ينتهي
أخذت الغيبوبة أبي لمدة أسبوعين، خلالهما أبي انتصر على الغيبوبة وأفاق لكنه لا يتحدث، تعرفت أيضًا على أحد الشباب في سن الثامنة والعشرين من عمره، يجالس أباه لنفس المرض لكنه في مراحل متأخرة أصبح زميل محنةٍ لي، وأنا أجلس معه سمعت صوت نفس الممرضة الأربعينة تدعوني، لأن الطبيب يريدوني.
خرج الطبيب من عند أبي وأنا أنتظر، فأخذ بيدي وكأن ما سيقوله يحتاج للمؤازرة، وثم قال الحاج يحتاج لعملية شق حنجري، عندما رأى نظراتي تدل على عدم فهمي قال لي: إننا لإعطائه الدواء وحنجرته لم تعد تحتمل ويحتاج لهذه العملية، مجرد موافقتك يا يوسف سنفعلها مباشرةً.
عدتُ لزميل محنتي وأخبرته بما حدث، فهز رأسه وقال: إنها أقدار ونصيبك هنا ستأخذه يا يوسف افعل ما عليك.
انقضى يومان حدث فيهما الكثير، بعد استشارة أمي وإخوتي واقفتُ على العملية وأُجريت، وذهب محمد زميل المحنة لأن والده توفاه الله وأنا الآن أجلس بجانب أبي لا يتكلم فقط ينظر لي ويبكي، كان كل شيء يدعى للبكاء والكسرة، دثرتُ والدي بالغطاء لينام، لم أكن أعلم أنها ستكون الأخيرة وذهبت أجلس في مكاني-المسجد- ولم يأتني النوم هذه الليلة حتّى قبل صدع أول الله أكبر سمعت صوت جهازٍ يصفر ويعلن عن انتهاء حياة أحدهم، ومعه انقبض قلبي، ويا ليت أحدهم لم يكن أبي.
بعد إحدى عشرة عامًا..
يوسف ذو السادسة والعشرون من عمره ينجب مُحمد ولده الصغير، فرحتي به محتْ كل شطرة حزن انشطرها قلبي، إنه حياتي الآن، آه يا والدي لو أنك ما زلتَ على قيد الحياة الآن، كنت سترى حبك لي في حبي لقطعة اللحم مكتملة الأركان التي على يدي،
يشبهني كثيرًا، فزاد حبي له،
وحيدٌ مثلي سأبذل كل ما بوسعي لأسعده.
مرت أربع سنوات وصغيري يكبر عامًا بعد عام، والدته تحبه أمي تراه الحياة المفقودة، أختِ تعشقه، أنا أراه سندًا بعد الله ووالدي.
لكن الحياة أخذت وعدًا عليّا منذ سنوات، وهي لا تخلف وعدها، يبدو في هذه السنوات كانت تنفذ وعدًا آخر وتركتني استنشق نفسي ومن ثمّ أتت لتسلبه مني مرة أخرى، لكن هذه المرة انتزعته نزعت غدر، نزعت روحي للمرة الثانية فيمن أحب.
مرض ابني مرضًا مزمنًا، مرض القولون، ذهبتُ به لكل الأطباء، بل وأساتذة الطب في مجالهم، وهو طفل تلقى كل أنواع العلاج، لكنه كان اسمًا لم يكن علاج، مجرد أشياء تدخل جسده ولا تحدث فارقًا، رأى ما أقدر على تحمله، وأنا أبكي عليه، أبكي وجعًا على ما تأخذه مني الحياة كل يوم وأنا واقفٌ لها بكل ما أوتيتُ من قوة، لكن قوتي انهارت بعد تلك اللحظة
يوم الأحد.. أذهب به لمكان العلاج بمكان غير مكاني ليتلقى عملية استئصال بالمستشفى، سيأخذوا قطعة منك، أم سيأخذوك؟
أخذوه ومعه أخذوا قلبي ليقطع أيضًا جزءًا وروحًا تسانده وتخرج معه إذا خرج، لكن غدر بي ولم يخرج يومها، وظلت روحي معلقة معه.
كل يوم مر بعد هذه اليوم مر ثقيل كحجر من جبل يأتي ليجلس على قلبي، كل يوم أنتظر فيه شفاء ابني بكل أمل وخروجه من المستشفى، وأنا فاقدٌ للروح، وأسأل نفسي كيف سيشفى؟
هل سيشفى؟ أما عليّ الرضا بقضاء الله؟
كل يوم أجلس منكسرًا بين يدي الله كانكساري في هذه الحياة، أدعوه وأنا أبكي وجعًا: يارب إن كنت كتبت لابني الشفاء فهو رحمة منك، وإن كنت كتبت غير ذلك فاجعلني أتصبر عليه كرضائي به سابقًا
وذات يوم خرج الطبيب وعلى وجهه ابتسامة، لم أرها منذ ولوجي لهذا المكان وقال بهدوء: الحمدلله تجاوزنا الخطر، ولم أسمع بعدها أية حرف وهرولت إلى فلذة كبدي احتضنه، وكأني أحتضن روحي مرة أخرى، وعندها أدركت أن سر الشفاء، كان الأمل بالله.



