مقالات

هل تُعاد صياغة خريطة الشرق الأوسط من جنوب لبنان إلى الضفة؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

في الوقت الذي ينشغل فيه الرأي العام بملفات مثل عبد الرحمن السيد، أو اتفاقية مكة للدفاع المشترك، هناك تطور آخر يجري على الجانب الآخر من المشهد، وربما يكون أكثر خطورة مما يبدو للوهلة الأولى؛ لأنه لا يتعلق فقط بما يحدث على الأرض الآن، وإنما بما قد يجري الإعداد له في المرحلة المقبلة.

المسألة هنا ليست مجرد خرائط ظهرت فجأة، ولا مجرد وثائق أو رسومات يمكن التعامل معها باعتبارها مادة دعائية عابرة ، وإنما السؤال الأهم هو : من الذي يرسم حدود المستقبل؟ ومن الذي يحاول فرض تصور جديد للمنطقة قبل أن يصبح هذا التصور واقعًا سياسياً وعسكرياً؟

فجأة، بدأت خرائط عديدة تنتشر من مصدر واحد، وهو الخارجية الإسرائيلية. وهنا يصبح من الضروري التوقف قليلًا أمام مضمون هذه الخرائط ، وليس فقط أمام توقيت نشرها.

اللافت في هذه الخرائط أنها تتعامل مع جنوب لبنان بطريقة شديدة الخطورة ، إذ يظهر الجنوب وكأنه جزء من المجال الإسرائيلي، أو على الأقل يجري تقديمه ضمن تصور حدودي يتجاوز الحدود المعترف بها حالياً.

وهنا تحديداً يجب أن نتذكر أن ما يحدث في جنوب لبنان لا يمكن فصله عن نمط أوسع من التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه المناطق المحيطة. فقد سبق أن حذرت من أن التعامل مع الجنوب اللبناني قد يتحول إلى نسخة أخرى من النموذج الذي رأيناه في غزة، ليس بالضرورة من حيث التفاصيل العسكرية، وإنما من حيث المنطق العام : الضغط على البيئة المدنية ، تدمير البنية التحتية، تحويل الحياة اليومية إلى تكلفة باهظة، ثم محاولة إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني من خلال القوة.

والفارق أن تطبيق هذا النموذج في جنوب لبنان قد تكون له ظروف مختلفة ، وربما أسهل من بعض جوانبه ، بسبب طبيعة الجغرافيا، وتعقيدات المشهد اللبناني الداخلي ، وتعدد مراكز القوة ، وحالة الانقسام السياسي التي تجعل أي تصعيد إسرائيلي قابلًا للاستثمار داخل الساحة اللبنانية نفسها.

وهنا يأتي السؤال الأهم: لماذا يتم الإعلان عن هذه الخرائط الآن، في الوقت الذي لا تزال فيه العمليات العسكرية والضغوط الأمنية مستمرة؟

في تقديري ، الإجابة لا تتعلق فقط بالرغبة في إظهار أطماع جغرافية، وإنما ترتبط بإدارة الصراع نفسيًا وسياسيًا قبل أن تكون عسكريًا. فالخريطة في الصراعات الدولية ليست مجرد صورة؛ أحياناً تكون رسالة سياسية ، وأحياناً تكون أداة لقياس ردود الأفعال، وأحياناً تكون وسيلة لتطبيع فكرة كانت تبدو مستحيلة قبل سنوات.

عندما تضع جهة ما حدوداً جديدة على خريطة وتنشرها أمام العالم، فهي لا تقول فقط: “هذا ما نريده”، وإنما تختبر أيضاً : ماذا سيفعل الآخرون عندما يرون ما نريده؟

هل سيحدث رد فعل دولي قوي؟ هل ستكتفي الدول بالبيانات؟ هل ستتحول القضية إلى سجال إعلامي؟ هل سينقسم الداخل اللبناني حول المسؤولية؟ وهل سيبدأ الصراع الداخلي في استنزاف القدرة على مواجهة الخطر الخارجي؟

وهنا نصل إلى أخطر نقطة في المشهد كله.

إسرائيل قد تستفيد من الإعلان عن هذه الخرائط حتى قبل تنفيذ ما تتضمنه فعلياً ، لأن مجرد طرحها يمكن أن يصبح أداة لتعميق الانقسام داخل لبنان.

النظام اللبناني قد يتعرض للاتهام بالضعف أو العجز أو التواطؤ، بينما قد يتعرض حزب الله في المقابل للاتهام بأنه السبب في جر البلاد إلى الحرب والدمار. وبين الاتهامين، يمكن أن يجد المجتمع اللبناني نفسه أمام صراع داخلي جديد يستنزف طاقته السياسية والشعبية، في الوقت الذي يتحرك فيه الطرف الآخر وفق حساباته الاستراتيجية.

وهنا يظهر مبدأ “فرق تسد” في أكثر صوره خطورة: لا تحتاج دائما إلى السيطرة على خصمك بالكامل إذا استطعت أن تجعله ينقسم على نفسه.

وهذا بالضبط ما يجب الانتباه إليه.

فالصراع الحديث لا يُدار فقط بالصواريخ والطائرات والدبابات، وإنما أيضاً بإدارة الرواية ، وصناعة الخوف ، وتوجيه الاتهامات، وإعادة تعريف العدو ، وإقناع الأطراف المتصارعة بأن المشكلة الأساسية موجودة داخل حدودها وليس خارجها.

والأخطر أن ما يحدث في جنوب لبنان قد لا يكون حالة منفصلة، بل جزءاً من تصور إقليمي أوسع لإعادة صياغة خرائط النفوذ والحدود. وإذا ظهرت لاحقاً خرائط جديدة تتعلق بالضفة الغربية، فإن السؤال لن يكون فقط : ماذا تحتوي هذه الخرائط؟ وإنما: لماذا ظهرت الآن؟ وما الذي يراد تحويله من مجرد تصور على الورق إلى أمر واقع؟

التاريخ يعلمنا أن الخرائط لا تأتي دائمًا بعد التغيير ، أحياناً تأتي قبله.

فالحدود تبدأ أحياناً كفكرة، ثم تتحول إلى خطاب سياسي، ثم إلى حملة إعلامية، ثم إلى أمر واقع تفرضه القوة، وبعد ذلك يبدأ العالم في التعامل معه باعتباره حقيقة جديدة تحتاج إلى تفاوض وتسوية.

وهنا تحديداً تكمن خطورة اللحظة الراهنة.

أسوأ ما يمكن أن يحدث لأي دولة أو مجتمع هو أن يصبح التعامل مع التهديد الخارجي مجرد بيانات شجب وإدانة واستنكار، بينما الطرف الآخر يعمل على الأرض، ويعيد ترتيب أوراقه، ويختبر ردود الفعل، ويصنع تدريجياً واقعاً جديداً.

القوة لا تعني دائمًا الحرب، كما أن الرد لا يعني بالضرورة الدخول في مواجهة عسكرية شاملة. ولكن امتلاك القدرة على حماية الحقوق، وامتلاك أدوات الردع السياسية والدبلوماسية والعسكرية، وإظهار أن هناك ثمناً حقيقياً لأي محاولة لفرض أمر واقع ، كلها عناصر أساسية في حماية الدول.

وفي النهاية، لا يمكن بناء الأمن الإقليمي على أساس أن طرفاً واحداً يملك الحق في رسم الخرائط ، بينما يقتصر دور الآخرين على مشاهدة الخريطة ثم إصدار بيان بالرفض.

لقد علمنا التاريخ أن الحقوق التي لا تحميها إرادة سياسية حقيقية تصبح مع مرور الوقت مجرد مطالب مؤجلة، وأن الفراغ الذي تتركه الدول الضعيفة لا يبقى فارغاً ؛ دائماً ما يأتي طرف آخر ليملأه.

هذه ليست دعوة إلى الحرب، وإنما دعوة إلى فهم طبيعة الصراع قبل أن تتسع دوائره ، وإلى إدراك أن أخطر ما في بعض الأزمات ليس ما يحدث اليوم ، وإنما ما يجري الإعداد له للغد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى