ابداعات

خلف هدوءي

 

الفصل الأول

بقلم: يمنى ربيع 

 

 

 

رائحة الدخان تكاد تُغشي عليه.. 

 

عيناه مُحرمتان، أنفاسه متحشرجة يكاد يسمع صوتها داخل صدره. أعاد إحكام الكمامة فوق وجهة، فلا يخاطر أن تأتيه نوبة ربو أخرى تُبقيه في المشفى ثلاثة أسابيع. 

دار بعينيه خلال الطريق، أطفال يركضون خلف سيارته بمرح في محاولة يائسة لإمساكها، أُناس يُحدقون فيه بعلاماتٍ مُتباينة ما بين الوجوم والحزن. 

قّب أنظاره ناحية السماء، يراها مُلبدة بغيومٍ سوداء تُنذر بأمطارٍ قوية تكاد تهبط فوق رءوسهم، أو بالأحرى رأسه هو فلماذا يأتي لهذا المكان! 

الأرض تُرابية أشبه بالطين والطمي، استدار للنافذة الخلفية يرى الأطفال يسقطون بعد بضع خطوات، عاد بأنظاره للسائق يرى السيارة لا تتحرك بسرعة تزيد عن ثلاثين كيلومتر في الساعة. 

 

اسند ظهره للخلف، يزفر أنفاسه بضيق، فقد أخطأ بإحضاره المرسيدس لهذا المكان. ثالث خطأ ارتكبه اليوم باعتبار أولها هو مجيئة من الأساس وموافقته على تنفيذ الوصية. 

 

شعر بأفاسه تتحشرج أكثر داخل رئتيه، ليُخرج بخاخة الربو من جيب سترته يستنشق منها جرعته قبل أن يُعيد رأسه للخلف، يُغمض عينيه يحاول استشعار الهدوء داخل هذا الجو الخانق ومرضه المقيت. 

* * *                  

أخذته سِنةٌ من النوم، لا يعلم مدتها، غير أن رائحة شواء تخللت أنفيه بنعومة، ليفتح عينيه ببطء على صوت معدته تطالبه بالراحة من صيامٍ قسري مميت. 

 

توقفت السيارة في منطقة خالية من العمران، سوى مبنيين صغيرين لا يتجاوزان ثلاث طوابق وقطعة كبيرة محفورٌ داخلها نقوش الموتى«مقابر». 

 

اخرج اكياسًا محكمة الغلق تشبة في تصنيعها حذاءًا غير أنها بلاستيكية، ارتدى كل واحدة منها فوق حذاءه وهو يهمس:«اتمنى أن تحافظي على نظافة الحذاء حتى أعود» 

 

فُتح باب السيارة بهدوء، ليهبط منها رافعًا رأسه للأعلى بخيلاء، عيناه تثبُتان فوق ثلاثة أشخاص يرتدون ملابس رثة، بلحيةٍ بيضاء مُشعثة، واحذية مملوءة بالطين. 

 

اقترب الثلاثة منه ينحنون أمامهم بوقار، تقدم اوسطهم خطوة يُحرك يديه كما لو ينزع عن رأسيه طاقية ثم ينحني باحترام كما يفعل النبلاء. 

 

ساد الصمت بينهم للحظات قطعها الرجل الأوسط وهو يقول: 

_سيد بشّار، نشكرك كثيرًا على توليك هذه القضية. 

 

أومأ بشار بنعم، يستحق الشكر بالفعل على قطعه كل تلك المسافة، ومعاناته مع الدخان والربو والطين، وأخيرًا فعليه التعامل مع هؤلاء حتى يُنهي القضية بسلام. أوليس هكذا يستحق الشكر؟ 

 

الرجل: نشكرك كثيرًا سيد بشار، أرجوك اتبعنا من هنا. 

 

انهى كلماته وهو يشير صوب بناية قريبة من طابقين اثنين، تقدم الرجل وخلفه بشار يُعيد التفكير، لماذا قبِل هذه القضية بالأساس؟ 

 

* * *        

 

طاولة مستديرة، أربعة أكواب من النبيذ المعتق الفاخر، رائحة بخور تنتشر في الأرجاء، فتاة ترتدي فستانًا أزرقًا يشبه الطاووس، وأخيرّا.. هو. 

 

يجلس على كرسي وأمامه كوب من النبيذ وفي وجهه الرجل الذي تحدث معه خارجًا. دفع كوب النبيذ برفق وهو يشير للفتاة الطاووس بأن تحضر له عصير برتقال، ضحك أحد الرجلين الآخرين _والذي كان له شاربٌ أشعث يكاد يغادر موقعه من فرط جذبه_ بصخب وهو يقول: 

_اعذرني سيد بشار، لو علمنا أنك تحب البرتقال في الصيف لما أحضرنا النبيذ المعتق. 

 

همست الفتاة برفق: اني احتفظ به سيدي من الشتاء الماضي، سيكون مذاقه رائعًا ببعض الإضافات، هل تود تجربته؟ 

 

أومأ بشار بإيجاب، فأي شيء يكون أفضل من ذاك النبيذ غريب الرائحة، اسند يديه على الطاولة بجد وهو يقول: 

_والآن، ما تلك القضية التي أتيت لأجلها؟ 

 

الرجل الأول بابتسامة: بدايةً أُعرفك بنفسي، أنا ألكسندر عارف، حارس المقابر في هذه المنطقة _شفانون_ منذ سنواتٍ طوال، أخذت المهنة بالوراثة كما يقول الناس. 

 

أشار لذو الشارب الأشعث واكمل: هذا راش ونانديه جميعًا ب«الأشعث» 

 

لكمه «راش» بخنق، ليكمل «الكسندر» بعدم اهتمام، بينما يشير للآخر وقد كان أقصر قامة وأنحف بُنيانًا: 

وهذا «راضي» مساعدي في حراسة المقابر، وابن عمي الوحيد. 

 

أشار «راضي» بتحية، ليقطعهم «بشار» يقول: 

_لا أريد تعريفًا، أريد القضية فقط، أرجوكم أنهو هذا الأمر. 

 

توترت نظرات «راضي» ونظر للأسفل، يفرك يديه بتوتر، وقد انكمشت انفاسه حتى ترى وجهه وقد امتلأ بالحمرة. ربّت «الكسندر» على يديه برفق وقال مكملًا حديثه: 

قبل ثلاث سنوات، أتى أناس كانوا من _شفانون_ وقد كانوا تركوها منذ زمن طويل، يريدون دفن فقيدتهم هنا. وافقنا ولم يكن في الأمر مشكلة فهذا يحدث كثيرًا، فما أسرع الأيام سيد بشار، يترك الناس بلادهم ولا يعودون إليها سوى مُحملين فوق الأكتاف، ويُصر الواحد منهم على أن يُدفن في أرض أجداده. 

 

اعاد «الكسندر» ظهره للخلف، يقول بحنين: 

ذهبوا هناك ولا يريدون العودة، غير أنني امتنعت عن ذلك. 

 

نظر ل«بشار» بتأكيد يكمل: لقد رفضت ذلك، لا تنظر إليّ هكذا سيدي، فأنا لا أترك والديّ المريضين خلفي، وما بها مهنة الحراسة؟ 

 

بدأت عينا «اسكندر» وجسده يتخذان وضعية الهجوم وهو يضيف: أريد أن افهم، لماذا هذا التهميش الذي نلقاه في المهنة؟ 

نحن نموت هنا ولا أحد يدري بهذا.. 

 

ضرب «بشار» الطاولة بيده يقطع استرسال الأخير الذي لا يبدو له من نهاية هذه الليلة، ليبتلع الآخر غُصته برفق، ثم قام من مكانه يعتذر واتجه إلى أحد الأبواب واختفى خلفه لبرهة. 

 

في تلك الأثناء، حضرت الفتاة الطاووس، تحمل صينيه مستديرة به كوب ممتلئ حتى حافته بلون غريب بين البرتقالي والأصفر والأزرق. 

وضعت الكوب برفق وهي تقول بفخر: 

_هذه آخر اختراعاتي، أتمنى أن تُعحبك سيد بشار. 

 

نظر بشار للكوب بتأمل ثم قال: ماذا وضعتي فيه؟ 

 

أبرمت الفتاة وجهها وهي تنظر للرجلين الآخرين وتقول: هذه سرّ، لا يعرفه أحد. 

 

ابتسم لها «راش» ابتسامةً لزجة وهو يقول: برتقال ومعه توتٌ بري، وموز. أليس كذلك؟ 

 

اتسعت حدقة الفتاة وهي تقذفه بالصينية وقد وضعت الكوب فوق المنضدة، تصرخ به: كيف عرفت؟ 

هذا سر، لماذا تقوله؟ 

 

ضحك الرجل بخفه، وقال: أنتي تضعين التوت في كل شيء، عزيزتي، لقد قاربتُ أن أسميكِ فتاة التوت. 

 

نظرت إليه بغضب، وسرعان ما اختفت تضرب الأرض بقدميها، وهي تصرخ وتقول: اللعنة عليك «راش» 

 

ابتسم «راش» في اثرها وأشار للسيد بشار: 

_لا تقلق سيدي، على الرغم من وصفاتها الغريبة ولكنه يكون دائمًا لذيذًا جدًا. 

جامله «بشار» وارتشف بضع رشفاتٍ صغيرة، امتعق وجهه وترك الكوب جانبًا، بينما تحرك «راش» وأخذ ينادي على «اسكندر» الذي تأخر في اختفاءه. 

 

* * *  

 

دقائق قليلة مرّت والجميع يُحدق ببعضه،«اسكندر» يضع دفترًا بُني اللون، قديمًا، مهترئًا فوق الطاولة، «راش» ابتعد بكرسيه لا يُسقط نظراته على ذاك الدفتر.« راضي» يُمسك ملابس «اسكندر» بحذر ويده تتحرك في إشاراتٍ غريبة. 

بينما ظل «بشار» ينقل نظراته بينهم وبين الدفتر باهتمام. 

 

اسكندر: من هنا، تبدأ الحكاية سيد بشار. 

 

بشار: أي حكاية؟ 

 

اسكندر: الفتاة التي تحدثتُ عنها سابقًا، هذا دفتر يومياتها، تركه اقرباءها هنا وعثرنا عليه. وهذا سبب مجيئك اليوم سيدي. 

 

بشار باستفهمام: وضِّح أكثر. 

 

اسكندر: اعتذر عن ذلك، ولكن عليك قراءة الدفتر لتفهم كل شيء. 

أشار «اسكندر» للفتاة التوت بالإقتراب، وقال: جهزنا لك غرفة هنا سيدي، ارتح الآن وابقِ الدفتر معك، ونلتقي غدًا ان شاءلله. 

 

أبرم «بشار» وجهه، فلا يريد البقاء هنا الليلة، ولكن لا مفر، فقال بهدوء: والسائق؟ 

 

«راش» وهو يُبعد أنظاره عنهم: لا تقلق، له غرفة أخرى بجوار مرأب السيارات حتى يكون جاهزًا في أي وقت. 

 

أومأ بشار بإيجاب، لينهض اسكندر يتبعه الأول يحمل بين يديه الدفتر، وقد أوطن نيته بانهاء هذا الدفتر الليلة، وينهي القضية غدًا ولا يكون له مكان هنا بعد الآن. 

 

انتبه على نفسه داخل غرفةٍ واسعة، ذات طابعٍ كلاسيكي قديم، بلونٍ بني مختلط بالأحمر. ترك «اسكندر» المفاتيح فوق الطاولة الصغيرة وخرج، بينما تحرك «بشار» سريعًا يتحرر من الكارفته الضيقة، يجلس على الكرسي يُفتح الدفتر يقرأ ما كُتب فيه، وهو لا يُطيق صبرًا ليُنهي القضية، ويغادر هذه القرية الكئيبة، قرية _شفانون_ أي اسمٍ قبيحٍ هذا؟! 

 

* * *     

في الخارج

 

يُمسك «راضي» بملابس «اسكندر» بينما «راش» يهمس بخفوتٍ وغضب: 

_وهل تظن أنه قادر على حل القضية؟ 

إنه شابٌ أرعن، يتمنطق بالحذاء الفسفوري اسفل كيسٍ بلاستيكي، وينظر لنا باستعلاء. هل تراه قادرًا على تحمل دقيقة واحدة مع ذاك الدفتر؟ 

 

اوقفته الفتاة التوت بحدة وهي تقول: 

_لقد أحضره الجد، وكتب هذا في وصيته، ولا دخل لنا بما يحدث بعد الآن

 

توقف «راش» للحظة: كيف لا دخل لنا بما يحدث؟ 

 

اسكندر بخفوت: لقد أُلغي حجز السيارة، ونحن أغلقنا باب المنزل وسيذهب كلٌ منا لعمله، ولا يتحدث أحدكم عن هذا اليوم أبدًا. 

 

«راش» بصدمة: أنت تعلم أنه سيموت، وتتركه؟ 

 

«اسكندر»: لا تقلق «راش» فقد ارسله الجد إلينا، إذًا فلن يموت. 

 

* * *  

 

غرفة «بشار» 

 

فتح الدفتر بهدوء، يُقلب الصفحات الأولى الفارغة بلا اهتمام، حتى توقفت يداه على الكلمات. 

قرأ بهمس خفيف: 

 

«منذ ولادتي وقد ارتبط بي الموت بشكلٍ خفي، لا أدري لماذا غير أن كل من قابلته حتى الآن قد مات. ومازالت تلك اللعنه تحيط بي بعد موتي، فإذا كنت تقرأ هذه الكلمات فاعلم أنه عند انقشاع خيوط الظلام ستكون… ميتًا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى