ابداعات

يا رحمةً مهداة

سامح بسيوني

في ليلةٍ مشرقةٍ بالأنوار، والملائكة تتنزل بالرحمات. في ليلةٍ عظيمة القدر عند الله، فخيرها ألف شهر كما أخبر القرآن، وقائدها الأمين جبريل.  

والنبيُّ ﷺ في غارٍ مظلمٍ تتجلى منه أنواره، جالسًا يتأمل الكون المليء بالأسرار. فينظر إلى سماءٍ ذات أبراج، وجبالٍ راسخةٍ كالبنيان، وبحارٍ بها أمواجٌ كالجبال، وأرضٍ ممهدةٍ للأنام.  

وفي سكونه وتأملاته يرى من بعيدٍ مخلوقًا عجيبًا يسدُّ بأجنحته ما بين المشرق والمغرب، فارتعد النبيُّ ﷺ لصورته، وهمَّ بالنزول مسرعًا إلى بيته يملؤه الفزع والخوف من شدة اللقاء.

 

-في بيت خديجة-

فنزل الروح الأمين، تاليًا بآياتٍ من الذكر والتنزيل الحكيم. فأمره ربه أن يقرأ، فارتعد من الهيبة والجلال، وتعثّر لسانه وقال: (ما أنا بقارئ) فكرر الأمين عليه القرآن:  

`اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ _ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ _ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ _ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ _ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ`  

فنزل مسرعًا مرتجفًا، والعرق يتصبب كأنه شلال، إلى زوجته الأمينة (خديجة بنت خويلد)- رضي الله عنها وأرضاها- يقول لها: (زملوني زملوني) 

فهدأت من روعه وذكرته بمحاسنه، قالت له مثبتةً قلبه:  

(كلا والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتعين على نوائب الحق).  

فزملته ودثرته، وكانت له خير سند وعون في الحال،

 

وأرسلت إلى ابن عمها (ورقة بن نوفل) لتروي له الخبر، فقال: (هذا الناموس الذي نزل على موسى، ليتني أكون فيها جذعًا إذ يخرجك قومك”.  

فقال النبي ﷺ: (أومخرجيّ هم؟)

قال: (ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي)

 

-في مكة.. إعلان الرحمة-

فخرج للناس منذرًا وبشيرًا، وأعلن مبدأ المساواة بين البشر فقال:  

(كلكم لآدم، وآدم من تراب. لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. إن أكرمكم عند الله أتقاكم)

 

فكان النبي ﷺ بحرًا في الحنان والعطاء، ولؤلؤةً تضيء في الظلمات، وسراجًا منيرًا لجميع المخلوقات.  

فأخرج البشر من عبادة البشر إلى عبادة رب البشر.  

وأرسله الله رحمةً للعالمين، فأيقظ البشرية من وأدٍ ظالمٍ عند الولادة للإناث لا حيلة لهن.  

ورفض التمييز بين البنين والبنات، وأعطى للمرأة حقوقها، وجعل للإسلام لها حقًا في الميراث، وعظّم مكانتها بين الأنام، فهي الأم والأخت والخالة والعمة والجدة، الوقورة بالحكمة والحنان.

 

وتكفل برعاية اليتيم، وجعل المسحة على رأسه تتساقط بها الذنوب، وحث على عطفه ورعايته فقال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى)

 

وتبنى الإسلام قضية العبيد والإماء وعالجها بحكمة، فقال لأبي ذر معاتبًا له حين عيّر أخاه بالعبودية:  

“إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم”.  

فحرر البشرية من ظلم العبودية، وجاءت الشريعة السمحاء فنظمت العدل بين الناس، فليس في الإسلام فرق بين العبد وسيده، وإنما هم سواء في الحقوق والواجبات.

 

-في المدينة.. وفي الفتح-

فلما جاء بالحق المبين لم يجد إلا الجحود والنكران من صناديد قريش، فحاربوه وحاصروه في (شعب أبي طالب) ثلاث سنوات، حتى ربط على بطنه حجرين من شدة الجوع، وأكل من ورق الشجر، وسُمع صراخ الأطفال وعويل النساء.  

ثم أخرجه قومه مهاجرًا إلى ربه، فأقام في المدينة المنورة الدولة، وأصبح للإسلام سيف ودرع، ورجال يتمثلون في المهاجرين والأنصار.

 

ثم عاد إلى مكة فاتحًا، وأعلنها صراحة أنه يوم الرحمة، فقال لقريش وهم واقفون صاغرون: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.  

فضرب المثل في العفو عند المقدرة.

-الخاتمة-

فكم من مراتٍ نحتاج إليك يا رسول الله، تعيد لنا الأمن والعدل بعد الغياب.  

وننتظر سحابةً تمطر من رحمات الرسول العدنان على البشرية التي أصيبت بالمعاصي والذنوب والطغيان، وابتعدت عن سنته كبعد المشرقين.  

فهل من أمل أن تشرق شمس هدايته على الأنام، وتعود أمته مع فجر مولده، وتتمسك بحبل سنته؛ لنعيد للأمة زمامها بعد الغياب؟!

 

`اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى