مقالات

من إيران إلى باب المندب .. هل بدأت معركة كسر الهيمنة الأمريكية؟

 

✍️ الكاتب الصحفي : يوحنا عزمي

هل من الطبيعي والمنطقي أن تتعرض إيران لضغوط اقتصادية وعقوبات غير مسبوقة، بينما تنجح في الوقت نفسه في تنفيذ عمليات نوعية تكشف عن امتلاكها قدرات استخباراتية وعسكرية متقدمة؟ وهل يمكن النظر إلى هذه التطورات باعتبارها مجرد تحركات منفصلة، أم أننا أمام مشهد أكبر بكثير من حدود المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران؟

الحديث هنا لا يتعلق فقط بالعمليات العسكرية التقليدية، وإنما بقدرة أطراف إقليمية على الوصول إلى تقنيات عسكرية شديدة الحساسية. ومن بين أكثر التطورات إثارة للاهتمام الاستيلاء على غواصة ذاتية القيادة من طراز «دايف-إل.دي»، وهي منظومة مصممة للعمل تحت سطح الماء وتنفيذ مهام مراقبة بعيدة المدى، ضمن جيل جديد من الأنظمة غير المأهولة القادرة على العمل لفترات طويلة بأقل قدر ممكن من التدخل البشري.

ولو صحت تفاصيل الاستيلاء عليها، فإن أهمية هذه المنظومة بالنسبة لإيران لا تتوقف عند قيمة الغنيمة العسكرية نفسها، وإنما تمتد إلى ما يمكن أن تمثله من قيمة استخباراتية وتقنية.

فالحصول على منظومة متطورة من هذا النوع يمكن أن يفتح الباب أمام دراسة مكوناتها ، وطريقة تشغيلها، وقدراتها على الاستطلاع والاتصال والمراقبة ، وهو ما قد يمنح الطرف الذي حصل عليها فرصة لفهم جزء من التكنولوجيا المستخدمة لدى خصمه، أو على الأقل التعرف على نقاط القوة والضعف في هذا النوع من الأنظمة.

وهنا يظهر السؤال الأهم: كيف أمكن تحديد موقع هذه المنظومة والوصول إليها في ظل الظروف الأمنية والعسكرية شديدة التعقيد التي تعيشها إيران؟ ومن أين جاءت المعلومات التي سمحت بتنفيذ عملية بهذه الحساسية؟

السؤال نفسه يمكن أن يمتد إلى ساحات أخرى في المنطقة.

ففي اليمن، لا يمكن النظر إلى التطورات المتلاحقة بين جماعة الحوثيين والسعودية باعتبارها مجرد مواجهة محلية منفصلة عن الصراع الإقليمي الأوسع. فالحوثيون أصبحوا، على مدار السنوات الماضية، أحد أهم أدوات الضغط الجيوسياسي على طرق الملاحة والطاقة في المنطقة ، خصوصاً مع امتلاكهم القدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، بما يجعل أي تصعيد واسع هناك قضية تتجاوز اليمن والسعودية إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً : هل ما نشهده هو مجرد استمرار لقدرات الحوثيين الذاتية، أم أن هناك دعماً استخباراتياً وتقنياً وتسليحياً من قوى إقليمية ودولية يجعل قدرتهم على تنفيذ عمليات أكثر دقة واتساعاً أمراً ممكناً؟

هذه النقطة تحديداً هي التي تجعل من الخطأ اختزال المشهد في عبارة واحدة تقول إن إيران، رغم العقوبات والضربات والضغوط، ما زالت تقاوم بمفردها.

فالصراعات الحديثة لا تُدار دائماً بالجيوش النظامية وحدها، وإنما بشبكات من الدعم الاستخباراتي والتكنولوجي واللوجستي، وبحروب الوكلاء، والقدرات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ بعيدة المدى، والمعلومات التي قد تكون أحياناً أكثر أهمية من السلاح نفسه.

وهنا يصبح من المشروع طرح فرضية أوسع: هل تتحول المواجهة الحالية تدريجياً من صراع أمريكي ـ إيراني إلى صراع على شكل النظام الدولي نفسه؟

الولايات المتحدة ما زالت القوة العسكرية والاقتصادية الأبرز عالمياً، لكن العالم لم يعد يتحرك بالطريقة التي كان يتحرك بها خلال لحظة الهيمنة الأمريكية الأحادية بعد انتهاء الحرب الباردة. روسيا والصين تعملان منذ سنوات على توسيع هامش الحركة الاستراتيجية أمام الولايات المتحدة، وكلما اتسعت ساحات الصراع غير المباشر، أصبحت قدرة واشنطن على فرض إرادتها الكاملة أكثر تعقيداً.

وبالتالي، فإن دعم إيران أو حلفائها ـ إذا ثبتت أبعاده ومصادره في كل حالة ـ لا ينبغي فهمه فقط باعتباره مساعدة لطهران على تجاوز العقوبات أو مواجهة الضربات ، وإنما يمكن أن يكون جزءًا من استراتيجية أكبر هدفها استنزاف القوة الأمريكية، ورفع تكلفة تدخلها، وإظهار أن الولايات المتحدة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع إدارة كل ملفات المنطقة بمفردها.

وهنا تحديداً تكتسب جبهة البحر الأحمر أهمية استثنائية.

فإذا تمكن الحوثيون من تعزيز سيطرتهم على أجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن، أو فرضوا نفوذًا أكبر بالقرب من باب المندب، فإن المسألة لا تعود مجرد ورقة ضغط على السعودية، وإنما تتحول إلى ورقة ضغط على واحدة من أهم ممرات التجارة العالمية.

وهذا يعني أن العالم قد يجد نفسه أمام معادلة شديدة الخطورة: مضيق هرمز في الشرق، وباب المندب في الجنوب، وكلاهما قادر على التأثير بصورة مباشرة في حركة الطاقة والتجارة العالمية.

وفي هذه الحالة، تصبح الأزمة أكبر من مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف إقليمية. نحن نتحدث عن تهديد محتمل لمسارات شحن استراتيجية، وعن ارتفاع تكاليف التأمين والنقل والطاقة، وعن اضطراب محتمل في سلاسل الإمداد، وعن إعادة رسم حسابات القوى الدولية الموجودة في المنطقة.

والأخطر من ذلك أن أي اضطراب طويل الأمد في البحر الأحمر لن يكون بعيداً عن مصر.

فمصر ترتبط بصورة مباشرة بحركة الملاحة عبر قناة السويس، وأي تحول واسع ومستمر في حركة السفن بعيداً عن البحر الأحمر يمكن أن ينعكس على إيرادات القناة، وعلى تدفقات النقد الأجنبي، وعلى قدرة الاقتصاد المصري على الاستفادة من أحد أهم مصادر العملة الصعبة.

ولهذا فإن دخول باب المندب بصورة أعمق في دائرة الصراع ليس قضية يمنية ولا سعودية فقط ، وإنما قضية تمس الأمن القومي والاقتصادي المصري بصورة مباشرة.

ومن هنا يمكن فهم خطورة المشهد: عندما تتحول الصراعات المحلية إلى أدوات ضغط على الممرات البحرية، فإن تأثيرها لا يتوقف عند حدود الدول المتقاتلة ، وإنما ينتقل إلى الاقتصاد العالمي، ثم يعود في النهاية ليضغط على الاقتصادات الإقليمية التي تعتمد على استقرار التجارة والملاحة.

لكن السؤال الذي يظل بلا إجابة حاسمة هو: من يقف خلف هذه التطورات؟ ومن يوفر المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا والأسلحة التي تسمح لبعض أطراف الصراع بتنفيذ عمليات أكثر تعقيدًا؟

لا يمكن الجزم من دون أدلة استخباراتية موثوقة بأن روسيا أو الصين تقفان خلف كل عملية أو كل تطور ميداني، كما لا يجوز التعامل مع أي رواية متداولة باعتبارها حقيقة نهائية قبل التحقق منها. لكن من الناحية الاستراتيجية، فإن احتمال توظيف موسكو أو بكين، أو أطراف أخرى، لعلاقاتها مع القوى الإقليمية في إطار صراع أوسع مع النفوذ الأمريكي، يظل فرضية تستحق الدراسة، خصوصاً في ظل التحول التدريجي من نظام دولي أحادي التأثير إلى نظام أكثر تنافسية وتعددًا في مراكز القوة.

والرسالة الأهم هنا أن الحرب الحديثة لم تعد بالضرورة حرباً بين دولتين تعلنان المواجهة بشكل مباشر. أحياناً تكون الحرب شبكة معقدة من الأطراف، كل طرف يتحرك في مساحة محددة، بينما تتقاطع مصالح قوى كبرى خلف المشهد.

ولهذا فإن ما يحدث في إيران واليمن والبحر الأحمر يجب ألا يُقرأ كل ملف منه بمعزل عن الآخر. فهناك خيط استراتيجي يجمع بين الضغط على إيران، وتهديد الملاحة، وحروب الوكلاء، والتنافس على الممرات البحرية، والصراع على النفوذ في الشرق الأوسط.

وإذا استمر هذا المسار، فإن المنطقة لن تكون أمام تسوية سهلة أو استقرار قريب، بل أمام مرحلة قد تصبح فيها الممرات البحرية نفسها جزءًا من أدوات الصراع والمساومة.

وعندها لن يكون السؤال: من انتصر في معركة هنا أو هناك؟

بل سيكون السؤال الأكبر: من يملك القدرة على التحكم في حركة التجارة والطاقة والممرات الاستراتيجية، ومن يستطيع فرض تكلفة اقتصادية على خصمه من دون الدخول في حرب شاملة؟

هذه هي النقطة التي يجب أن ننتبه إليها جيداً ، لأن الصراع عندما ينتقل من الأرض إلى الممرات البحرية، ومن الجيوش إلى الاقتصاد، ومن السلاح التقليدي إلى التكنولوجيا والاستخبارات، فإن تداعياته تصبح أوسع بكثير من حدود ساحات القتال نفسها.

والمنطقة بالفعل تقف أمام منعطف شديد الحساسية، ومصر تحديداً لا تملك رفاهية التعامل مع ما يجري باعتباره مجرد صراع بعيد عنها، لأن أي اضطراب مستمر في البحر الأحمر وباب المندب ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الملاحة ، وعلى قناة السويس، وعلى الاقتصاد المصري، وعلى حركة التجارة العالمية.

نسأل الله أن يحفظ المنطقة من الانزلاق إلى حرب أوسع، لأن تكلفة الحرب حين تصل إلى الممرات البحرية لن يدفعها طرف واحد، وإنما ستدفعها المنطقة والعالم بأسره.

وسأظل أتابع معكم هذه التطورات، ليس فقط من زاوية الخبر العاجل، وإنما من زاوية ما وراء الخبر : من يحرك المشهد؟ ما المصالح التي تتقاطع خلفه؟ وكيف يمكن أن تنعكس هذه التطورات على مصر والمنطقة والنظام الدولي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى