أنثى (حارسة الأصوات المنسية)

رحمة خميس
في زمنٍ ليس ببعيد، التحف الصقيع أرواح البشر، لم يكن صقيع الثلج، بل صقيع الفراغ الدامي. الكلمات التي فقدت حراراتها، والقهقهات التي أضحت صدى بلا بهيج، والدموع تحجرت قبل أن تجد طريقها إلى الوجنتين.
عانى العالم من “الجفاف العظيم” الذي كان وباء صامت أثلج القلوب التي طغت على الوجوه لتصبح جامدة كقالب الصقيع.
وسط عزلة، وخلف أسوار الصمت، عاشت سلالة من “الحارسات”، لم تكن أفواههن تعرف للحديث طريق، بل كانت آذانهن بوابات لعوالم أخرى.
كُنّ يسمعن أنين القلوب التي هلكها الفراغ، مع صرخات الشوق المكتومة، ومنادي الحب اللاتي ضللن الطريق في زحمة الضجيج.
بينهنّ كانت “صدى”، فتاة في ريعان شبابها، تختلف عن الأخريات لكونها لم تكن مستودعًا للأصوات المنسية، بل كانت جزء من كيانها تتدفق عبرها كنهر جارف، يحمل معه آلام وأفراح.
كانت القاعدة رقم 1 للحارسات واضحة حد الصرامة:
“نحن نستمتع، لكن لا نتدخل لنفتح أبواب الفوضى”. لكن الصدى شعرت بأن الصمت والحياد هو الفوضى ذاتها.
في ليلة قمرية، تمردت الصدى لتتسلل مع صوتها الداخلي الحاد كنصل السيف. على صوت طفل صغير يجلس في حديقة عامة يتأرجح بهدوءء بينما كانت روحه تصرخ بإسم والدته التي رحلت. كان بكاؤه يذيب الصخر، ويخلع رغمًا عنك رداء الهدوء المخيف لقاعدة الحارسات. شعرت صدى حينها بعبء كأنها جدار ترتطم به الأصوات، مدفوعة بذكرى أسطورية كانت تتكرر على مسامعها من جدتها:
“بئر الصدى، مكان لا تُحفظ به المياه فقط، بل المشاعر المقدسة التي نطقها البشر عبر الأزمان”.
إن إطلاق هذا الصدى سيروي جفاف العالم ويعيد للقلب حديثه المنقطع.
في ليلة قاتمة الظُلمة، خلعت صدى رداء الحارسات الأبيض، وارتدت معطف رمادي باهت يشبه خطوتها الأولى، وهربت.
كانت هذه الخطوة في عالم لا يستطيع فهم لغتها، ولا يسمع إلا لضجيج الآلات والمنطق.
قادتها رحلتها إلى قلب المدينة الزجاجية، حيث ناطحات السحاب التي تخترق السماء كشاهد قبر عملاق، هناك التقت ب صامت، رجل أعمال متصدر قائمة أغنى مائة رجل في العالم، وجهه منحوت كالجليد، وعيناه مرآة لا تعكسان شيئًا.
يخشاه الجميع ويحترمه، لكن صدى رأت ما خلف القناع الجليدي لصامت، سمعت صوته الداخلي، صوت رجل يجلس وحيدًا في قصر النيل الفخم، ينادي اسم مشاعر قديمة خبأها كبريائه، بصوت مليء بالهشاشة الندم.
عندما رأته في بهو شركته، نظرت لعينيه التي تحملان فهمًا عميقًا. ولأول مرة شعر صامت بأن هناك من يراه حقًا دون أن يفهم السبب، فقرر أن يساعدها ليبحث معها عن شيئًا لا يعرفه، ربما عن غفران لنفسه.
أخبرها صامت عن لحن، الفنانة التشكيلية العجوز التي تعيش في أطراف المدينة، كانت يومًا ترسم لوحات تنبض بالحياة، لكنها الآن تقبع أمام قماش أبيض اللون، وفرشاتها جافة كروحها، ليعلموا أنها فقدت الشعور. الشعور الذي تعرفه فقط صدى.
في مرسم مليء بالغبار، كانت لحن محاطة بلوحات قديمة وسط ألوانًا لم تعد موجودة في عالمها. عندما نظرت صدى إلى عينيها، رأت مقطوعة موسيقية باكية تخبرها أن مقطوعة الشغف خاصتها قد ماتت. لتنطق لحن وتقول لصدى:
“ورثت عن أجدادي خرائط لا تقود لكنز، بل لأماكن الروح، وإحدى هذه الخرائط بئر الأصداء”.
لم تكن رحلتهم سرية فحسب، فالحارسة الكبرى، رأت تمرد صدى كجرح غائر في جسد الحارسات. كانت تؤمن أن المشاعر هي مصدر الألم، وأن النسيان هو درع البشر الواقي.
انطلقت على إثر خطى صدى لإعادتها قبل أن تغرق في طوفان الألم الذي نسي كيف نسبح فيه.
في رحلة شاقة عبر أراضٍ منسية، وصل الثلاثي إلى كهف تحت جبل صخري، لم يكن بئر ماء، بل فجوة في الهواء يتلألأ بها ضوء خافت كندبة في النسيج الواقعي. لكنه كان مدخل بئر الأصداء.
خطت صدى نحو الفوهة، لكن اعترضتها الحارسة الكبرى، عند مدخل الكهف، ووجهها الذي أوشك إلى عاصفة.
“لا تفعلي ذلك يا صدى”.
قالتها بصوتها الداخلي الذي وصل لأعماق صدى.
“ستطلقين العنان لقرون ساحقة من الغضب، سيحترقون في مشاعر لا يفهمونها”.
” لكنهم سيحترقون أيضًا بالحب، والشغف، وبالفرح. فمن الأفضل أن نحترق جميعا بنار حقيقية على أن نتجمد كلحن في فراغ بارد يعقبه هجران الشغف”.
قالتها صدى بصوت داخلي واضح وقوي لأول مرة.
الحارسة لم تكن شريرة، بل كانت خائفة من الألم الذي شعرت به يومًا ما.
في تلك اللحظة فتحت صدى البئر، بعدما اتخذت قرارها لتغمر العالم، وتسحب خيطًا من الضوء، ومعه صدى ضحك الطفل الصادق، وخيط آخر همسة الحب الخجولة التي تركها صامت لكبرياؤه.
صامت الذي شعر لأول مرة برغبة في البحث عن حبه القديم، ولحن التي أمسكت بفرشاتها وبدأت ترسم بلونها الزهري التي أعتادته قديمًا على قماشها الأبيض.
لم يحدث تغير سحري، بل المياة عادت تتدفق في حياتهم فجأة عندما قرروا ذلك.
وبدأت صدى تجلس مع الناس لتسمع أصواتهم الداخلية لتميز معهم كيف يكون ضجيج العالم وصوت القلب؟
زهرة عنيدة في أرض قاحلة، هكذا التغيير. شخص يبكي لأول مرة منذ سنوات، وصديقان يتعانقان بصدق. وفنان يعود إليه الإلهام ك لحن.
لم تعد صدى حارسة، بل مزارعة تنبت بذور المشاعر في القلوب الجافة، وتنظر إليها بثبات كيف تُنبت.
نظرت صدى إلى صامت الذي جاءها مع حبه القديم وأطفالهم، وعلى الجانب الآخر ترى لحن في معرضها الأول ويتم بيع لوحاتها.
“لم يحتاج العالم إلى طوفان، بل إلى قطرات مطر يعقبها سيل جارف من الصدق”.



