ابداعات

الرقيق الأبيض

 

 

بقلم – جلال الدين محمد 

 

اعتصر الألم قلبي، حتى صار يقطر دموعًا، والطريف أن الأمر كله بدأ بالفضول. فطالما أحببت التاريخ، كنت أنزوي في مكتبة المدرسة، لأقرأ عن أمم ما وراء البحر، وحكايات أفريقيا، وأسرار آسيا، التي لا أعلم حتى الآن لما أسموها القارة الصفراء. ليس موضوعنا.

 

حين كنت أقرأ عن أحرار أفريقيا، الذين تم اختطافهم من وسط أرضهم؛ ليساقوا عبيدًا ولا ينظر إليهم على أنهم بشر لهم حقوق ومشاعر وحكايات، كنت أشعر بالغضب، والدهشة. أهذا كله فقط لأن لونهم أسود؟! هذا لوني أيضًا، ماذا لو ولدت في هذا العصر، على تلك الأرض، ألم يكن عقلي ومبادئي وأحلامي ليعنوا أي شيء؟! 

 

كنت أعلم أن هناك من كانوا يسموا عبيدًا للقصر، يطيعون السيد الأبيض، ويشون بأخوتهم من السود، طمعًا في ملابس قديمة، وبقايا طعام كان أفضل مما يحصل عليه عبيد الحقول. غضبت على هؤلاء، لكني فهمت دوافعهم، فهم أرادوا على الأقل ظهرًا حصينًا من الضرب بالسياط.

 

لكن ما لا أفهمه على الإطلاق فعل الرقيق الأبيض. هؤلاء لم يعيشوا منذ قرون، ولم يكونوا مجبرين على الخدمة في حقول القطن، بل تخرجوا من جامعات، وولدوا في مدن وقرى مشابهه لتلك التي نعيش فيها، بل وحتى ربما تجد واحدًا منهم في قريتك.

 

ومع ذلك، ينطبق عليهم حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، لو أنهم دخلوا جحر ضب لتبعتموهم. تجد السيد الأبيض الغربي يفعل الأفاعيل، فيقتل ويسلب خيرات غيره ويكذب، ويستحل الزنا، بل وصل الأمر إلى فضيحة حين اكتشفنا اتخاذ بعضهم مساحة من الأرض، فعلوا فيها ما لا يخطر على قلب شياطين؛ قربانًا لإبليس نفسه.

 

فتجد ذلك العبد الأبيض، مشمرًا عن ساعديه، عاقدًا العزم على لي ذراع الحقيقة ولو انكسر فلا يهم؛ لكي يُظهر سيده في صورة المتحضر العظيم الذي لا يمس، وبني جلدته والدين الذي يدعي أنه يحمله، وحوش همجية لا تمت للإنسانية بصلة.

 

هل تعلم ما المثير للشفقة حقًا؟ أن السيد الأبيض، لن يعطيه حتى الملابس القديمة وبقايا الطعام، بل على العكس، لو أتيحت له الفرصة ليفعل به ما رأينا وسمعنا من وحشية، لفعل بكل سرور، وهو يشعر بالقرف منه. فما أقبح الرقيق الأبيض! لو عاش الواحد منهم ألف عمر على عمره، لن يعرف أبدًا معنى أن يكون حرًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!