ابداعات

ذاكرتي مع المونديال

 

 

بقلم – جلال الدين محمد 

 

هل تصدق أن بطولة كأس العالم مثل السفينة؟ 

 

نعم، أنا الآن ربان لها، أبحر بها في محيط ذكرياتي، لأرسو على جزر من سنوات حياتي، ولحظات لا أصدق أن مر بيني وبينها كل هذه السنوات. 

 

كل أربع سنوات أبدأ في مشاهدة وثائقيات عنه، فتكون بمثابة بطاقتي للصعود على متن تلك السفينة، يخفق قلبي بسعادة لا أستطيع التحكم بها، ويتدفق الأدرنالين في عروقي على نحو يجعلني أشعر كأني ثماني سنوات من جديد.

 

ألتقط منظارًا صُنع من الوقت فأرى لاعبًا كان شابًا، مشط شعره على نحو كان رائجًا في وقتها، وكنت أتمنى أن أكبر لأمشطه مثله. كبرت واندثرت هذه الموضة، بل إني تغيرت لأراها غير لائقة، ورأيته وهو يبكي مودعًا الأنصار الذين أحبوه، وتغنوا باسمه. نعم، صرت كبيرًا للحد الذي رأيت فيه لاعبًا يبدأ حياته المهنية ويختمها.

 

ما رأيك لو ألقيت المرساة أمام شواطيء بعض جزر ذاكرتي، لأروي لك بعض العجائب التي يخفق قلبي كلما استرجعت شيئًا منها؟ لن أروي لك المباريات يا عزيزي بالتأكيد، ولكن الحياة المرتبطة بها، التي تنفستها وعشتها من كل قلبي.

 

العام 2002 هذا ابن خالتي “محمد” أخي الكبير الذي أحبه، يحاول أن يشاهد مجموعة من الرجال يركضون خلف الكرة، ولكن الصغير بسنواته الأربعة لم يسمح له بذلك، فهو لم يتوقف عن البكاء طلبًا لمشاهدة أفلام الكارتون. 

 

بذل محمد الشاب وقتها، مجهودًا مُضنيًا في محاولة لإسكات الصغير، الكثير من التوسل والوعود بالحلوى، لا يستطيع ضربه فهو يحبه، يحمله على قدميه ويبدأ في شرح ما يحدث بطريقة تناسب عقل الصبي، الذي أخيرًا هدأ وبدأ ينظر في انبهار، بعد أن منح “محمد” اللاعبين أسماء أبطال الكارتون الذين يحبهم صغيرنا.

 

انظر معي هناك، هذا العام 2006 ماذا ترى؟

 

أنه محمدًا مرة أخرى، والفتى بجواره هو صغيرنا بعد أن كبر قليلًا. “محمد” يقول: انظر هذه المنتخبات العربية منا ونحن منهم تُشجعهم من كل قلبك، وإفريقيا الجميلة أيضًا نحن ننتمي إليها لا تُشجع الأوروبيون أمام فريق من إفريقيا. يهز الصغير رأسه في موافقة. هل تصدق أنه يؤمن بذلك المبدأ ويدافع عنه حتى اليوم، بل أن انتماءه لأمته وقارته قد بدأ من تلك اللحظة.

 

أليس هذا رائعًا؟! ماذا ترى الآن؟

 

صغيران على السرير يشاهدان تلفازًا مربع الشكل قديم الطراز. يا إلهي بينما يحتفلان بالهدف نطح الصغير أخاه الأكبر في شفته السفلية التي نزفت ولم يشعر الأخير إلا بعد عشر دقائق بما حدث. كانا يرغبان في مشاهدة “مصر” في البطولة ولكنها كُتبت للجزائر.

 

مضت ستة أشهر وبكى صغيرنا الذي صار مراهقًا الآن لأجل “غانا” كما لو كانت وطنه الذي عاش وتربى فيه، “كلنا اخوة في افريقيا” هكذا يؤمن. أخبرني ما رأيك في تلك المرأة التي تجلس في سيارة أجرة مع شاب صغير السن.

 

ربما هي أم على سفر مع ولدها. 

ليس تمامًا، هي أمه بالفعل منذ أربع سنوات تعطل التلفاز المربع القديم خلال كأس العالم، وكان أولادها وزوجها مجبرين على الاستماع لنصف المباريات عبر الراديو؛ لذلك ادخرت المال واصطحبت ابنها الكبير لشراء تلفاز جديد يشاهدون عليه البطولة في دفء العائلة.

 

حرك الربان ورفيقه منظاريهما لجزيرة جديدة في بحر ذاكرة صاحبنا، فإذا بقدمه اليمنى مكسورة. ثور هائج سحقها بينما يلعبون كرة القدم في الشارع، وهاهو يجلس ليتشاجر مع أبيه الذي غضب لأنه لم يذهب للمستشفى فورًا وانتظر يومًا كاملًا أدى لتفاقم الإصابة. وهو يحاول إقناعه يتناول الكثير من الترمس لأن به مواد مفيدة تساعد على التئام الجروح.

 

تأكد لصاحبنا الذي هو شاب اليوم، أن الأوروبيين لديهم نظرة عنصرية ضدنا، كره احتقارهم لقطر وعاداتنا وتقاليدنا العربية والإسلامية، رغم أنهم ضيوف على أرض عربية. كم كانت رائعة المغرب في تلك البطولة وهي تُحقق المركز الرابع! وكم كان استثنائيًا “ميسي” وهو يعانق الذهب مع أرض الفضة.

 

حصل صاحبنا على يوم عطلة من العمل عند فوز السعودية على الأرچنتين، فصاحب العمل السعودي كان سعيدًا وكافأ الموظفين. ها قدم مضت أربع سنوات جديدة، وعلى سفينة الذكريات نبحر نحو العالم الجديد، هكذا أسماه الغزاة في الماضي.

 

يكره أن “أمريكا” من منظمي البطولة، فما الذي تعرفه عن كرة القدم أصلًا؟ ولكن لمعة العيون وخفقة القلب، تؤكد أن صاحبنا الذي صار رجلًا بالغًا اليوم لم يتغير عندما يتعلق الأمر بكأس العالم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى