الهدف الأخير

وائل الهاشمي
في مساء عادي، كانت المباراة مجرد تسعين دقيقة، وكانت الكرة مجرد كرة، وكان الملعب مجرد مستطيل أخضر.
لكن شيئًا غريبًا حدث في الطريق، خرجت اللعبة من حدود الخطوط البيضاء، وتسربت إلى العقول، ثم استقرت في القلوب، حتى أصبح بعض الناس يتعاملون مع نتيجة مباراة كما لو أنها بيان مصيري يحدد مستقبل الأمة.
لا أحد يختلف على جمال كرة القدم؛ فهي اللعبة التي جمعت الفقير بالغني، والصغير بالكبير، والعامل بالأستاذ.
لكن المشكلة لم تكن يومًا في الكرة، بل في تلك المشاعر التي تتضخم حتى تتحول من تشجيع مشروع إلى تعصب أعمى.
المتعصب لا يشجع فريقه فحسب، بل يعلن الحرب على كل ما عداه. لا يبحث عن المتعة، بل عن الانتصار بأي ثمن.
فإن فاز فريقه رأى نفسه عبقريًا، وإن خسر بحث عن مؤامرة كونية اشترك فيها الحكم والجمهور والطقس وربما دوران الأرض حول الشمس.
إنه مشهد يستحق التأمل؛ رجل يجلس أمام شاشة، لا يملك سهمًا في النادي، ولا يعرفه اللاعبون، ولا يشعر بوجوده المدرب، ثم يغضب غضبًا يكاد يمزق قلبه لأن لاعبًا أضاع فرصة في الدقيقة الأخيرة.
وكأن مصيره الشخصي كان معلقًا بتلك الكرة التي مرت بجوار القائم.
والأعجب أن التعصب الكروي لا يكشف حب النادي بقدر ما يكشف طبيعة الإنسان نفسه. فبعض الناس يدخلون الملعب كما يدخلون الحياة؛ مقتنعين أن الحقيقة ملكهم وحدهم، وأن الخطأ دائمًا عند الآخرين، وأن كل من خالفهم الرأي يستحق الهجوم لا الحوار.
ولعل أخطر ما في التعصب أنه يتخفى في ثياب الوفاء. يظن صاحبه أنه مخلص، بينما هو في الحقيقة أسير لفكرة واحدة. يظن أنه يدافع عن الكيان، بينما هو يهاجم كل من لا يردد الشعارات نفسها. يرفع راية الانتماء حتى يحجب بها نور العقل.
لقد تحولت بعض المنصات إلى مدرجات إلكترونية لا تهدأ.
هناك لا يقاس الكلام بقيمته، بل بلون القميص الذي يرتديه صاحبه، فإذا نطق المؤيد كان حكيمًا، وإذا نطق المخالف بالكلام نفسه أصبح جاهلًا أو حاقدًا.
وكأن الحقيقة لم تعد حقيقة، بل مشجعًا يجلس في المدرج.
ومن هنا تبدأ الحكاية الأكبر. فالتعصب لا يولد في الملعب فقط، بل يتدرب هناك. يتعلم الإنسان كيف يرفض الآخر لمجرد أنه مختلف، وكيف يهاجم الفكرة قبل أن يسمعها، وكيف يبحث عن الانتصار لا عن الحقيقة. ثم يغادر الملعب حاملًا هذه العادات معه إلى كل شيء؛ إلى السياسة، وإلى الثقافة، وإلى العمل، وحتى إلى العلاقات الإنسانية.
لهذا فإن القضية ليست فريقًا يفوز أو يخسر.
القضية أن بعض الناس اعتادوا أن يقسموا العالم إلى معسكرين: معنا أو ضدنا.
لا منطقة وسطى، ولا مساحة للحوار، ولا فرصة للاعتراف بالخطأ.
ومن يتأمل هذا المشهد يدرك أن التعصب الكروي ليس مرضًا رياضيًا، بل عرض لمرض أعمق يصيب طريقة التفكير نفسها.
كم من صديقين افترقا بسبب نقاش رياضي، وكم من كلمات قيلت في لحظة غضب لم يكن ينبغي أن تقال، وكم من ساعات ضاعت في معارك وهمية لا يخرج منها أحد منتصرًا.
وفي النهاية، حين يهدأ الصخب، وتطفأ الكشافات، ويغادر الجمهور، ويعود اللاعبون إلى بيوتهم، يبقى سؤال واحد معلقًا في الهواء:
هل كانت المباراة تستحق كل هذا؟
بعد سنوات، لن يتذكر معظم الناس نتيجة تلك المباراة، ولن يحفظوا أسماء كثير من اللاعبين الذين تعصبوا لهم. لكنهم سيتذكرون صديقًا خسروه، أو أخًا خاصموه، أو كلمة جارحة قالوها في لحظة اندفاع.
لهذا يبقى المشجع الحقيقي هو الذي يحب ناديه دون أن يكره الآخرين، ويفرح للفوز دون أن يفقد اتزانه، ويحزن للخسارة دون أن يفقد أخلاقه؛ فالأندية وجدت لتمنحنا المتعة، لا لتسلب منا الحكمة. والمباريات خلقت لتقريب الناس، لا لتقسيمهم.
أما التعصب، فمهما ارتدى من شعارات جميلة، ومهما رفع من رايات الانتماء، يظل شيئًا واحدًا: هزيمة للعقل، حتى وإن بدا في صورة انتصار.



