ابداعات

“الجندي الأخير”

 

لجين سامح 

 

” عزيزتي 

 

عكس المعتاد، أقول هذه المرة الأمور لا تمضي على ما يرام..

 

لقد انقطعت رسائلي عنكِ بسبب الحصار، ولم يصلني أي خبر من القرية

 

يموت رفقائي كل يوم أمام فوهات البنادق، فوق الألغام، وأسفل القنابل

 

الأرض لم تعد تسع الجثث، نكومها بعضًا فوق بعض، نأكل أوراق الشجر، وأحيانًا تصلنا إمدادات بالخبز اليابس، أو خضراوات متعفنة

 

لقد قضيت عمري كله أحلم باللحظة التي أصير فيها رجلًا، لا يمنعني أحد من الخروج، لا أدرس، ولا أضطر للنوم في ساعة محددة

 

لكن حين أصبحت رجلًا، سلب مني حقي في التعلم، لا أنام بتاتًا، وأبيت في الخارج، أسفل جذع شجرة بعينين نصف مغمضتين

 

لا أعلم لم غدا العالم سيئًا لهذا الحد، في اللحظة التي أظن فيها أن كل شيء انتهى يبدأ من جديد

لا أصوات هنا سوى صوت المدافع، أظنني لم أسمع صوتي حقًا منذ زمن بعيد

 

أكتب إليك علك تعذري عدم لقائنا، علك تدعو لي بالرجوع أو الهلاك

علك يا عزيزتي لا تصبحين أرملة وأنت في بداية عمرك

 

علني أجد سلوانًا من الحياة، وأتذكر أن لدي امرأة تنتظرني على عتبة المنزل، الشرفة، وفي الأسواق

 

أرجو أن يتوقف العالم عن إيجاد سبب للموت، أن يتوقف القادة عن تقديم قرابين بشرية من أجل أحلامهم

أن يتوقف الزمن عند لحظة وداعكِ لي، وأبقى بين ذراعيك للأبد.

 

مع حبي. 

من زوجكِ العزيز “آرثر” “

 

أضع الأوراق على الطاولة أمامي، وتتساقط دموعي على قميصه، على دمائه، ورائحته التي امتزجت برائحة البارود

أضم رضيعتي إلى صدري، يعلو صوت بكاءها ونشيجي

 

لم يكن يعلم حين رحل أن هناك نسخة منه بين أحشائي، لم يكن يعلم.. ولم تصله الرسائل، ومات.. مات دون أن يعلم ما هي الحياة

 

أصبحت أرملة في اللحظة التي غدوت فيها أمًا..

رضيعتي بين يدي، وجثمانه على الفراش.. وصوت الناس في الخارج، ما بين عويل ونشيج، ورائحة الموت تملأ أنفي، فأنسى.. أنسى أنه ثمة يوم كان لدي حياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى