لبنان .. هل بدأت معركة تمزيق الدولة من بوابة الطائفية؟

✍️ يوحنا عزمي
هل يمكن أن تبدأ الحروب الأهلية بتصريح إعلامي؟ قد يبدو السؤال غريباً .. لكن المتخصصين في العلوم السياسية وإدارة الصراعات يعرفون أن الحروب لا تبدأ دائما بإطلاق الرصاص ، بل قد تبدأ بكلمة محسوبة ، أو رواية يجري الترويج لها ، أو خطاب يعيد تشكيل وعي المجتمعات ويزرع بذور الشك والكراهية بين مكوناتها. هذه هي إحدى أخطر أدوات ما يعرف بصناعة
الفوضى، حيث يتحول الإعلام والتصريحات السياسية إلى أسلحة لا تقل خطورة عن الصواريخ والطائرات.
من هذا المنطلق ، يكتسب التصريح الأخير المنسوب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والذي تحدث فيه عن طلب قرى مسيحية في لبنان الإنضمام إلى إسرائيل أو طلب حمايتها ، أهمية استثنائية. ليس فقط بسبب محتواه ، وإنما بسبب التوقيت والسياق السياسي والأمني الذي جاء فيه. ففي منطقة تعيش على وقع التوترات المستمرة، لا يمكن التعامل مع مثل هذه التصريحات باعتبارها مجرد حديث إعلامي عابر ، لأن أثرها الحقيقي لا يقاس بما تقوله، وإنما بما قد تدفع الآخرين إلى تصديقه أو التفاعل معه.
في المجتمعات التي تقوم على التعدد الديني والطائفي، يصبح اللعب على وتر الهوية من أخطر أدوات الصراع. فبمجرد الإيحاء بأن طائفة بعينها تسعى إلى التحالف مع طرف خارجي، يبدأ مناخ الشك في التغلغل داخل المجتمع، وتصبح الاتهامات بالخيانة والعمالة أكثر حضوراً من لغة الحوار والثقة. وهنا يتحول الانقسام السياسي إلى انقسام اجتماعي، ثم إلى انقسام طائفي، وهي المرحلة التي تصبح فيها فرص الإستقرار أكثر صعوبة.
لبنان تحديداً يمتلك تركيبة سياسية واجتماعية معقدة، وهو ما يجعل أي خطاب يتناول مكوناته الدينية بمنطق الاستقطاب يحمل مخاطر كبيرة. فالحديث عن المسيحيين أو المسلمين أو الدروز أو الشيعة أو السنة باعتبارهم كيانات سياسية منفصلة يفتح الباب أمام إعادة إنتاج خطوط الصراع التي دفع اللبنانيون ثمنها لعقود طويلة. ولذلك فإن أخطر ما في مثل هذه التصريحات ليس مدى صحتها أو كذبها، وإنما قدرتها على إعادة إحياء المخاوف القديمة داخل مجتمع لا يزال يحمل ذاكرة الحرب الأهلية.
إذا نظرنا إلى المشهد بصورة أوسع ، سنجد أن أي توتر داخلي في لبنان يمنح إسرائيل مساحة أوسع للتحرك سياسيا وعسكريا. فكلما ازداد الانقسام الداخلي، أصبح من السهل تبرير استمرار العمليات العسكرية أو المطالبة بإجراءات أمنية جديدة أو الإبقاء على مناطق عازلة بحجة حماية الحدود أو حماية فئات معينة من السكان. وهنا تتحول الأزمة الداخلية إلى ورقة استراتيجية تستخدم في إعادة رسم موازين القوى على الأرض.
كما أن الربط بين حماية المسيحيين واستمرار وجود حزب الله يحمل رسالة سياسية أخرى، وهي تقديم الحزب باعتباره المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار، بما يسمح بتسويق أي تصعيد عسكري باعتباره دفاعا عن الأمن أو استجابة لطلبات الحماية، وليس مجرد عملية عسكرية تقليدية. وهذه واحدة من أكثر أدوات الصراع تعقيداً، حيث يجري تحويل الرواية السياسية إلى غطاء لأي
تحرك ميداني.
البعض يرى أن ما يحدث في لبنان لا يمكن فصله عن مشاهد أخرى شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، حيث أدى توظيف الانقسامات الداخلية إلى تدخلات خارجية متزايدة. وبينما تختلف ظروف كل دولة عن الأخرى، فإن القاسم المشترك يبقى واحدا، وهو أن الانقسام الداخلي يمثل دائما البيئة الأكثر ملاءمة لتوسيع النفوذ الخارجي وإطالة أمد الصراعات.
ولا يمكن أيضا تجاهل البعد الاقتصادي للأزمة. فلبنان يعيش بالفعل أوضاعاً مالية شديدة التعقيد، وأي تصعيد عسكري جديد يضاعف من حجم الخسائر ويؤخر فرص التعافي. ومع إعلان مسؤولين لبنانيين أن الأضرار المباشرة الناتجة عن العمليات العسكرية تقدر بمليارات الدولارات، يصبح واضحا أن الخاسر الأول هو المواطن اللبناني، الذي يجد نفسه محاصرا بين الانهيار الاقتصادي والتوتر الأمني والاستقطاب السياسي.
في تقديري، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس فقط التهديد العسكري، وإنما انهيار مفهوم الدولة نفسها. فعندما تصبح الطائفة أقوى من المؤسسة، والانتماء الديني أكثر تأثيراً من الهوية الوطنية، تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي، ويصبح القرار الوطني رهينة لموازين القوى الخارجية.
لهذا السبب، يبقى بناء الدولة الوطنية القادرة ، بمؤسساتها الدستورية وجيشها الموحد وأجهزتها الشرعية، هو الضمانة الحقيقية لمنع الانزلاق نحو الفوضى. فكلما كانت مؤسسات الدولة قوية، تراجعت فرص استغلال الانقسامات الداخلية، وأصبح من الصعب على أي طرف خارجي أن يجد ثغرة ينفذ منها لتحقيق أهدافه.
لبنان يقف اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية ، ليس فقط بسبب التطورات العسكرية، وإنما بسبب معركة الروايات التي تسبق في كثير من الأحيان معركة الميدان. وبين الرواية والرواية قد تتشكل قناعات جديدة، وقد تتغير مواقف، وقد تتسع هوة الانقسام. ولهذا فإن الحفاظ على السلم الأهلي، وتعزيز منطق الدولة، وإبعاد الخلافات السياسية عن الاستقطاب الطائفي، يظل الطريق الأقل كلفة أمام شعب أنهكته الأزمات، وما زال يبحث عن فرصة حقيقية لاستعادة الاستقرار.



