ابداعات

لا تنسوا كتابة النهاية

وائل الهاشمي

 

إن كرة القدم لا تعرف أسمًا، ولا تعترف إلا بمن يركض خلفها. 

فهي لا تنحني لتاريخ عريق، ولا تمنح المجد لمجرد شهرة، ولا تحفظ مكانًا لأحد لأن الجماهير أحبته يومًا.

إن الجماهير لا تعشق الكرة وحدها؛ بل تعشق من يمنحها سببًا للحلم. 

 

تعشق من يسقط ثم ينهض، ومن يخسر ثم يعود، ومن يقاتل حتي آخر ثانية وكأنها الأولي. 

ولذلك حين يركض لاعب نحو الكرة، لا يركض وحده، بل تركض معه ملايين القلوب، وتحمل معه ملايين الأمنيات، وتؤمن أن تسديدة واحدة قد تكون كافية لتغيير قصة كاملة. 

 

كيف يمكن لطفل أن يعلق صورة لاعب علي جدار غرفته أكثر مما يعلق صور أقاربه؟ 

ولماذا يبكي الملايين عندما يسقط نجمهم وكأن فردًا من عائلتهم قد أنكسر؟ 

الجواب ببساطة؛ لأن كرة القدم لم تعد لعبة. 

إنها الحكاية الوحيدة التي يكتبها الملايين معًا، دون أن يلتقوا. 

 

ثم تأتي لحظة ندرك فيها أن كرة القدم ليست دائمًا ذلك المستطيل الأخضر الذي نحبه. 

فهناك ملعب أخر، لا تسمع فيه هتافات الجماهير، بل تسمع فيه همسات المصالح. 

هناك لا تتحرك الكرة بالأقدام وحدها، بل قد تتحرك بالروايات، والصور التي يراد أن تحكي، والنجوم الذين يراد لهم أن يبقوا تحت الأضواء. 

 

حينها يتسلل إلى قلب المشجع سؤال موجع: هل مازالت الكرة هي التي تختار أبطالها، أم أن هناك من يحاول اختيار الأبطال للكرة؟ 

الجماهير لا تطلب أكثر من العدالة. 

حين تبدأ المبارة، لا يعود الملعب مجرد مستطيل أخضر؛ بل يصبح مسرحًا تكتب عليه أحلام الشعوب. 

كل تمريرة تحمل أمنية، وكل تسديدة تحمل دعاء، وكل صافرة حكم قد تصنع فرحة مدينة أو حزن وطن بأكمله. 

 

تخيل أن الحكم دخل الملعب مرتديًا وشاح أحد الفريقين .

هل ستطمئن الجماهير إلى صافرته، حتى لو لم يخطئ مرة واحدة؟

هكذا يرى كثيرون تصريحات رئيس الفيفا المتكررة عن ميسي.

 

ليست الأزمة في أن ميسي لاعب عظيم، ولا في أن فردًا أحدًا يعشقه؛ فالعظمة لا تحتاج إلى شهادة، والأساطير لا تنتظر تصفيق المسؤولين.

 لكن حين يصبح المديح عادة، ويتكرر الإعجاب من أعلى سلطة في اللعبة، يبدأ الحياد في فقدان صوته، ويبدأ الشك في رفع رأسه.

فالحياد ليس أن تكون عادلًا.

الحياد أن تجعل الجميع يشعرون أنك عادل.

 

لكن كيف سيشعر منافسيه بذلك، إذا كان أكثر من يمثل اللعبة عالميًا لا يخفي إعجابه به؟

كيف تطلب من الجماهير أن تفصل بين المنصب والمشاعر، بينما المنصب نفسه يقرر أن يتحدث بلغة المشجع؟

رئيس الفيفا ليس مشجعًا في المدرجات، ولا محللًا يبحث عن المشاهدات.

إنه حارس صورة العدالة.

وحارس العدالة لا يجوز أن يرى وهو يصفق لأحد المتنافسين، حتى لو كان أفضلهم.

 

لأن الرسائل القادمة من أعلى هرم اللعبة لا تقرأ بالحبر؛ بل تقرأ بالثقة.

وحين تهتز الثقة، يبدأ المشجع في رؤية كل شيء بعين الشك.

كل جائزة تصبح موضع نقاش.

كل قرار يصبح ملفًا مفتوحًا.

كل بطولة تصبح سؤالًا قبل أن تكون احتفالًا.

وهنا لا تنسوا كتابة النهاية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى