صلاح الدين بين الحاضر والمستقبل

وائل الهاشمي
في زمن تتطابق فيه الوجوه وتزداد الأقنعة تعقيدًا، لا نبحث عن رجل تقهره السلطة، بل عن عقل يعيد تشكيلها وفق رؤيته.
وهنا يعود صلاح الدين الأيوبي لا كذكرى تروي من زمن بعيد، بل كسؤال مفتوح على الحاضر: ماذا لو وجد بيننا الآن؟
لم يكن مجرد قائد استعاد مدينة، بل وعيًا يعرف متى ينحني ليكسب، ومتى يحسم لينهي، ومتى يجعل من الصبر سلاحًا أشد فتكًا من كل السيوف.
وفي حاضر يضج بالضجيج السياسي والارتباك، يتضح أن ما نفتقده ليس القوة، بل ذلك التوازن الخفي بين الحيلة والشرف، بين الحسم والاحتواء.
ولو أطل على مستقبلنا، لما سأل عن عدد الجيوش، بل عن طبيعة العقول التي تقودها.
لن يقيس الأرض بما نملك، بل بما نفهم.
فالمعارك لم تعد تحسم عند الأسوار، بل داخل الإنسان نفسه، هناك حيث تولد القرارات التي تعيد رسم مصير الأمم.
فهل نحن أمام زمن ينتظر بطلًا جديدًا؟
أم وعيًا قديمًا يعود، لكن بملامح أكثر دهاء؟
لم يكن في ماضيه بريئًا من الدهاء، لكنه لم يقدمه أبدًا كوجه أول، بل أخفاه خلف قناع الفروسية.
كان يعرف أن الحرب لا تربح بالقوة وحدها، بل بإرباك الخصم، بتأجيل الضربة، بفتح باب صغير حين تغلق الأبواب. لم يكن ثعبانًا في طبعه، لكنه فهم قوانين الزحف حين ضاقت المسافات، وأدرك أن السير المستقيم في عالم معوج قد يكون أقصر الطرق إلى الهزيمة.
ولو ولد في حاضرنا، لخلع درعه، لا ضعفًا؛ بل ذكاء.
سيكون رجلًا يتقن فن الظهور حين يجب، والاختفاء حين يلزم. يتكلم بلغة مزدوجة، لا كخداع رخيص، بل كحكمة تدرك أن الحقيقة الكاملة لا تقال دفعة واحدة.
سيتحرك بين القوى كمن يقرأ خرائط خفية، يعرف أين يضع قدمه، وأين يترك غيره يغرق.
لن يكون ثعبانًا بمعناه المبتذل، بل بتلك الرشاقة التي تجعل الانحناء قوة، لا ضعفًا.
سيتعلم أن بعض الانتصارات لا تعلن، وأن بعض الهزائم لا ترى، سيتقن فن تأجيل الحقيقة، لا لإنكارها، بل ليختار لحظة ظهورها. وفي عالم يصرخ فيه الجميع، سيكون هو ذلك الصوت الذي يهمس فيصغى إليه.
سيجلس في صدر المشهد دون أن يكشف أوراقه، ويترك الآخرين يظنون أنهم يرونه كاملًا، بينما هم لا يرون إلا ما يسمح به.
سيصنع من الكلمة فخًا ناعمًا، ومن الإشارة طريقًا يضلل من لا يفهمها، لن يهاجم مباشرة، بل سيعيد ترتيب الميدان حتى يصبح خصمه جزءًا من هزيمته.
لن يكسر الجدران، بل سيجعلها تتآكل من الداخل.
لن يرفع صوته، لأن الضجيج عنده دليل نقص السيطرة.
سيتقن فن الإيحاء؛ أن تقول شيئًا وتقصد ما وراءه، أن تفتح بابًا بينما تغلق عشرة أبواب في صمت.
وفي عالمٍ يتباهى بالوضوح، سيكون هو الغموض الذي لا يمكن الإمساك به، لا لأنه مراوغ بلا هدف، بل لأنه يعرف أن الحقيقة إن كشفت قبل أوانها، تفسد أكثر مما تصلح.
أما المستقبل، فهناك حيث تدار الصراعات بالعقول لا بالأجساد، سيبدو أكثر انسجامًا من أي زمن مضى.
لن يحتاج إلى قوة ظاهرة، لأن حضوره وحده كفيل بخلخلة الموازين.
سيقود النهايات من خلف ستار، ويجعل خصومه يسيرون في طرق رسمها لهم دون أن يشعروا.
ومع كل ذلك، لن يفقد جوهره، بل سيزداد صفاء.
فهو لم يتخلي عن العدل، بل تعلم كيف يحميه في عالم لا يكافئ الاستقامة.
ولم يتنازل عن المبدأ، بل أدرك أن الطريق إليه ليس دائمًا مستقيمًا.
وهنا تتجلى صورته الأكثر تعقيدًا:
رجل لا يهزم لأنه لا يقرأ،
ولا يقرأ لأنه لا يكشف نفسه كاملة، ومع ذلك، حين تحين اللحظة، يصبح أوضح من الحقيقة ذاتها.



