المسكوت عنه 3: قامت تعجن في الفجرية

أحمد المقدم
تواتينا كأشباح لا نملك دفعها عنا ولا الحديث عنها. كم هي مزمنة تلك الأسئلة الوجودية حول نوعية الحياة التى نحياها. ولابد أن يكون لكل حادث حديث، ولابد أن نلجأ للكلام بعد السكوت.
هل تتسارع عقارب الزمن؟ هل تقلص اليوم؟ أم إنها البركة، تلك النعمة الهلامية التي يُظن أنها قد انتزعت لأسباب قد يراها المنطق واهية؟
لماذا نعيش أيامنا ولا نشعر بقيمة الوقت؟ لماذا ينسلخ النهار قبل الليل والليل قبل النهار في وتيرة أصبحنا نراها سريعة كفرس سباق لا نستطيع كبح جماحه؟
هناك أغنية تشرح بكلام بسيط توقيت الأخذ بأسباب الرزق. فبكلام شاعري مباشر تتحدث الأغنية عن فتاة حلوة نشيطة قامت من نومها وقت أن صدح الديك بنداء الصباح وقت الفجر:
“الحلوة دي قامت تعجن في الفجرية
والديك بيأذن كوكو كوكو في الفجرية”
وتحث الحرفيين، وعلى رأسهم مديرهم أو صاحب المحل الأسطى عطية، أن يأخذوا بأسباب الرزق في باكورة اليوم وقت السحر فيذعن الرجال لندائها وهم ليس لديهم المال في جيوبهم ولكن لديهم أمل في رب رزاق رحيم يجعلهم في مزاج عالٍ متحمسين ليوم جميل:
“يلا بنا على باب الله يا صنايعية
يجعل صباحك صباح الخير يسطا عطية
صباح الصباح فتاح يا عليم
والجيب مفهش ولا مليم
بس المزاج رايق وسليم
باب الأمل بابك يا رحيم”
تعطينا هذه الأغنية ثابتين أصبحنا نجهلهما في حياتنا المعاصرة التي أصبحت تدار بعقلية الغرب الرأسمالية التي لم يجب بحال أن نتبناها في مجتمعنا: وقت التوكل على الله، و كيف تكون سيكولوجية المسلم عندما يستيقظ ويصلى الفجر مؤهلة لأن يأخذ بأسباب الرزق.
ينقل لنا المفكر الأيقوني والمجاهد الدكتور عبد الوهاب المسيري كيفية تأثير الغرب في فك الارتباط بالأسلوب الإسلامي الواقع في بلادنا بعد أن فُرض علينا أسلوبهم المعيشي ردحا طويلا من الزمن:
“هناك مفهوم في علم الاجتماع يُعرف بالتبادل الاختياري’Elective Affinity’، أي أنك من الممكن أن تخلق تربة ينشأ فيها المجتمع الديني ولا يؤدى لها بالضرورة الحتمية… فنظام ساعات العمل لدينا مستورد من أوروبا ويعوق عملية الصلاة. بينما لو بدأنا يوم العمل لدينا مبكراً، منذ الساعة السادسة صباحا مثلا، اي بعد أن يستيقظ الناس لصلاة الفجر في الساعة الخامسة صباحا، يصلون الفجر ثم يذهبون إلى أعمالهم، فينتهي يوم العمل عند الساعة الثانية عشر وهذا يلائم أكثر الجو الحار وكذلك إيقاع الحياة الإسلامي… والمقصود هو خلق الإيكولوچيا الدينية اللازمة”
والمسيري هنا لا يقصي الاستثناءات، فمؤكد هناك أعمال ينبغى أن تسير على مدار اليوم مثل قطاع الصحة والأمن. ولكننا نتحدث عن ارساء قواعد النسق الإسلامي في العيش.
فالغرب لم يعرف صلاة الفجر ولم يعرف قيام الليل، تلك الصلة الروحانية التي تجعل لوقت الفجر معنى أسمى من كل الماديات التى يسعى من أجلها الناس. هو التهيئة الروحية والسيكولوجية للبدن والروح قبل بدء يوم مهما كان طوله سينتهى فى وقت يشعر فيه المرء أن اليوم لازال طويلا من أجل أنشطة أخرى، وبالتالي سيحس بأن نسق الحياة ليس سريعا كما تصور.
بعملية حسابية بسيطة، يستيقظ الناس بين السادسة والعاشرة (وهناك من يستيقظ عند الظهيرة لأن عمله يبدأ في المساء) أي أن نصف اليوم تقريبا قد مر ثم يمر النصف الثاني في الدوام الوظيفي مثلا. أي أن اليوم قد مر دون أن يكون هناك تهيئة روحية ونفسية لا يكون وقتها سوى في البكور. وتكون تبعيات ذلك الاحساس بضيق وانفعال دون سبب أحيانا، و ارهاق وتفكير زائد وخلافه مما يعيشه معظمنا على مدار يومه.
إن تنحية النظام الإسلامي للحياة قد كان له أثره في نقص الانتاجية و تقلص النشاط وهذا من تبعيات السياسة التغريبية التى قد أوقعت المشرق الإسلامي في شراكها. وإننا إذ نتحدث عن متلازمة قد أصابتنا من غياب الهوية والتبعية العمياء للغرب الرأسمالي بنمط حياته الدخيل على النظام الأكثر شمولية واعتبارا لسيكولوجية الفرد وانتاجيته، يمكننا أن نخلق عادات فردية يمكن من خلالها أن نضع نفسنا قيد تجربة في اتباع نمط الحياة الإسلامية كفرضية لحل إشكالية القلق المتعلق بتسارع وتيرة الحياة وعدم الاحساس بالسكينة الذي أصابنا لأننا نحيا بما لا يجب أن نحيا به.



