ابداعات

الدون الفقير

أحمد المقدم 

 

سيتحدثون.  

سيتحدثون دائمًا عنه، وسيجدون دائمًا ما يستحق القول. سيكتبون اسمه في أشرطة البحث على التواصل الاجتماعي لكي يروا لحظاته الأيقونية وما أكثرها. ربما يستحضر البعض تلك الذكريات التى جمعته به منذ أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا عندما بكى دموعه الأولى وقت أن ذاق مرارة اخفاقه الأول في حمل كأس لم يحمله مواطن له قبل ذلك. لم يكن قد أكمل العقدين ولكنه كان يرى في نفسه بطلًا يقهر المستحيل.  

 

سيحب الجميع ماديرا الصغيرة، تلك الحاضرة البرتغالية الصغيرة حيث كان شأنه شأن الكثير، فقد انتهك طفولته مجرم لم يشفق عليه يوما اسمه الفقر. ذلك المجرم الذي كان له القاضي والجلاد. فقد وضعه فوق مقصلة الإيمان بذاته وبنجاحه 

 

إنه الإيمان ذاته الذي جعل محبيه يرون أنفسهم فيه.، يرون تلك النسخة التي تكفر بكل ما تحاول ظروف الحياة قسرًا فرضه عليهم. لقد نال الاستحقاق الذي جعله يتربع على عرش الأكثر حبا لدى مرتادين التواصل الاجتماعي بين جميع الرياضيين ليس لتفوقه الرياضي الكاسح وحسب،

 

إنه روبن هود العصر، ذلك الذي جعل لاعب الكرة إنسانا يمكن أن يكون صاحب موقف يجبر الجميع على احترامه، وليس كالمهرج الذي يشاهده الجميع من أجل التسلية  

 

لا يراه مشجعوه بعين الحقد التى تتحدث عن أساطيل يملكها من فنادق وشركات وسيارات فارهة، لا يتحدثون عن كونه لاعب كرة القدم الأول الذي قد كسر حاجز المليار دولار، فهناك ترابط عاطفي غريب يجعل هؤلاء يرون فيه فقط شخصا قد تحدى الجميع ولا زال يحمل قلب طفل يبكي كلما أخفق وكلما نجح. 

 

شخص قد جاء ليؤكد أن للجميع حقا في أن يحلم داخل لعبة ابتكرها الأغنياء ليغالبهم عليها الفقراء حتى غلبوهم فصارت هي لعبة للفقراء الذي كان هو منهم. فلازال ينزل إلى المستطيل الأخضر ذلك الشخص الفقير يلتهمه الجوع. الجوع للنجاح ولإلهام محبيه أن لا شيء مستحيل طالما تحلوا بالإيمان بذاتهم.  

 

يتحدثون عن علاقاته العاطفية التى كثيرا ما أثارت الجدل، ورغم تعدد رفيقاته العاطفية، فقد استقر المقام لديه على خليلته التى تشبهه كثيرا، تلك الحسناء الأرچنتينية الفقيرة التى كانت تعمل كبائعة ملابس ربما رأى في عينيها ذلك الحلم الذي كان يداعبه قبل أن يأتيها وقتما تبدل حاله فحمل إليها وعود الهروب من تلك الظروف القاسية التى حملها لنفسه من قبل. فانتشلها من الفقر تاركا وراءه فتياته السابقات اللاتي كن من بين مشاهير الموضة والأزياء ومنهنّ من أرادت تخليه عن أكثر من آمن به طوال حياته، أمه. 

 

إن أحبه محبوه لشيء يوما، فسوف يحبون بلا وعي ذلك المتمرد العنيد الي يهرول بجماح فرس يدخل في خضم معركة من أجل البقاء، يهرول هربا من الإخفاق ليرتمي في أحضان النجاح. يحبونه لأنه قد أجبر التاريخ بتمرده على كتابة قصة لم ولن يصل إليها شخص آخر. يحبونه لأنه قد وقف ضد مؤسسة فاسدة قد تم تطويعها لسياسة القوى التى ربما تمثل هؤلاء الأغنياء الذين يرفضون أن تكون كرة القدم لعبة الفقراء وليست سوى لعبة النبلاء.  

يحبونه لأنه ذلك الأب الحنون الذي يرفض تلك المذابح التى ترتكب بحق الأبرياء الذين يفقدون آباءهم أو يفقدهم آباؤهم. ذلك الأب الذي يحنو على أبنائه ولا يرضى لهم ما قد عاشه من ويلات العوز والفقر

 

يحبونه لأنه ذلك الابن البار الذي ظل يحمل في قلبه حبه لأبيه فلم يشرب الخمر يوما ربما كرها فيما كان سبب أن بصاب بسرطان الرئة قبل أن يموت، أما عن أمه فهي من اصطحبته وكانت قبل الجميع الشاهد الأول لتلك القصة الملهمة بينما ترى ابنها المحارب الذي قهر وانتقم من كل ما عانته قبل أن يأتي هو كي يغير حياتها للأبد 

 

يحبونه لأنه يحبهم، فلم يعرف قلبه كرها لمحبيه فيعانق هذا ويلتقط السيلفي مع ذاك ويهرول نحو ذلك بعد أن يحرز هدفا رائعا يخطف قلوب الجميع حول العالم.  

 

ويحبونه أكثر لأنه بعد أيام سيرقص رقصته الأخيرة في العرس المونديالي الأخير وهو لازال يمنّي النفس أن يحمل كأسها حتى يزداد تاريخ تلك الكأس جاذبية ولمعانا كما حدث في قطر مع الأرچنتيني الفضائي.  

 

يحبونه لأنه روبن هود 

 

يحبونه لأنه كريستيانو رونالدو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى