ما لم يحترق بالكامل

رحمة خميس
أتنهد بعمق وأتنفس الصعداء أمام هذه اللوحة الإلهية بديعة الصنع، ذات الأكسجين النقي الذي يتخلل صدري بقوة، أقنط وسط غابة كثيفة الخضار يجهلها أحمقي الفكر ويذهبون إلى وسط العاصمة حيث ضيق التنفس، وكثرة الأُناس ذوي الازعاج والضجيج.
كم أُحب هذا الهدوء الذي يتخلله زقزقة الطنّان نادر الوجود، وتغريد العصفور الذي أستيقظ لتوه وخرير نهرٍ يتدفق أمامي محتفظًا بهدوء ما حوله.
هل هربت ممن تركتهم ورائي وتسببت بندبات عميقة بداخلهم؟ أم كنت أقسو على قلبي الذي ذرف عليهم دمًا حينها؟
“ستدرك لاحقًا أن أحداث ذلك اليوم كانت منذرة”
كانت هذه العبارة هي البداية لتلاحق الأحداث تباعًا على قلبي الذي تركها وهرب، كتب لها خطابه الأخير بعدما جائت إليّ هذه العبارة في كارت تهنئة عيد ميلادي السابع والعشرين.
ها أنا الآن في الثالثة والثلاثين من عمري، أقنط وسط هذه الغابة وهذا الهدوء الذي يشعرني بالراحة والاسترخاء والخوف والجمود في آنٍ واحد، العالم جعل مني مثيرًا للشفقة وينحني أمام الألم باحترام شديد أمام قسوته.
خذلت حبيبتي، وتركت أمي وأبي في الحريق وهرعت إلى ما هو أبعد، هل خوفي من تسبب في قتلهم؟ أم قد حان وقتهم؟ لم يكن هناك سبيل لنجاتهم على أية حال، أم أحاول إقناع عقلي بذلك؟
“أنت من جنيت على دروبك”
لأنظر حولي بتشتت وخوف، لمن هذا الصوت الرخيم الهادىء حد الرعب؟ لا لم أجد من تحدث، أعتقد أنه من ألاعيب عقلي الخادع.
“أحبك، لكن لِمَ تركتني أعاني وذهبت إلى هذا الحد؟”
لا إنه عقلي يخدعني ويودي بي إلى الهاوية، لكن لِمَ أهتز النهر بهذا الشكل عندما سمعت ذلك الصوت؟ ولِمَ زقزقة العصافير أصبحت كصراخ والداي في الحريق، ولماذا أراهم في هذه النار المتصاعدة أمامي؟
أكان بمقدوري حل هذا الأمر؟ العيش بسلام وروية؟ ترك من رحل والبدء من جديد في عالم يخلو من هذا الهراء؟ أم ذاكرتي سيئة النسيان تأبى هذا؟
كنت أقرب مما يبدو مع ازدياد ألسنة لهب النيران أمامي، ومع هجر حبيبة فؤادي،
“هذا ما أردته، أنت حبيس هذا الفكر اللعين”.
أهذا ملجأي للهرب والاسترخاء أم عقابي الدائم؟
ظللت هكذا لبضعة أيام أرى هدهدة النهر بكلمات مضللة، وتلاطم الهواء مع حفيف الشجر، وزقزقة الطنّان الرنانة الخالية من الروح، وحديث الغابة نيابةً عن عقلي الهارب، والنيران التي أرى معها مصارعة والداي الموت، ويداي تهرع لإنقاذهما لكنها تصارع البقاء وتحرقني في كل مرة.
“أنظر حولك، أنت من صنع هذا المكان”
لا، أنا لم أصنعه،
أنا هنا،
استرخي،
أعود لبعضٍ مني،
أستمتع بهذا الجمال البهيّ،
لكن لِمَ أشعر بالخوف أكثر مما استريح من هذا العالم؟
كيف صنعت هذا المكان؟ ولِمَ كلما سمعت صوتًا يتهدهد النهر أمامي هكذا؟ أهذا صوته؟ أم غضبه؟ أم أن عقلي اللعين يلعب معي بهذا الثقل الحاد؟
“هناك من يقول الحقيقة، لكنها موجعة”
“ما تراه ليس عقابك، بل اختيارك”
“ماذا حدث قبل بدء النيران؟”
ماذا أفعل وسط هذه الكلمات اللعينة التي تودي بعقلي إلى الهلاك، لكن أنا من بدأ بالاختيار وانتهى بالعقاب أيها الصوت اللعين.
“ستدرك… لاحقًا…
أن أحداث ذلك اليوم….. كانت…
منذرة”
أجدها هذه الكلمات اللعينة أمامي على الطاولة في ذات كارت التهنئة بمولدي، لأجد في السطر الذي يليها عبارة:
“عُد إلى هذا اليوم، تمهل”
أصارع عقلي الذي يذهب بلحظاته السيئة إلى هذه الذكرى اللعينة، وتتلاشى معها الغابة سحرية المطلع، وتزداد ألسنة لهب النيران أمامي وتكبر.
لأقف بداخلها، منزل والداي يحترق…. يلفظان أنفاسهما الأخيرة…. يمدان يداهما إليّ… وأنا… ممتلئ بحروق يدي وكتفاي أمامهما وهما يمدان يداهما إليّ كي أُنقذهم من هذا المصير.
ليقف أمامي ضرب والدي عندما طلبت أن أذهب لأدرس في دولة أخرى، وحديث أمي السام عندما أردت أن أتزوج حبيبتي، ورفضهما القاطع لما أحب أن أفعل، والأحداث المتلاحقة عندما قررت التمرد بعد عيد ميلادي السابع والعشرين.
والأذى الذي لحق بي وبحبيبتي عندما قررا أن ينهيان حياتها أمامي.
“أنقذهما”
لا، لا يستحقان هذا العيش وهذه الحياة مرة أخرى.
“والداك من ربياك”
لكنهما أهلكا حياتي وجعلا منها أضحوكة للعالم، وحرماني من حقي في اختيار ما أريد.
“قمت بالتضحية من أجل حبيبتك”
من أجل اختياري في هذه الحياة، وحقي في هذه الحياة اللذان سلباه مني وسط أنانيتهما.
تركتهما يواجها مصرعهما الحتمي ومصيري الجديد بعد ذهابهما إلى الحياة الآخرة، وعدت أنا لبداية وعيي وأسمع معها…
“استيقظ
استيقظ
استيقظ”
ليفيق… ولكن قلبه لا يزال عالقًا في الحريق، لكن عينيه استقرتا على سقف الغرفة، كان يجلس في عيادة الطبيب النفسي، على ذلك المقعد المريح الذي اعتاد عليه في جلساته، يتحسس صدره ليجد قلبه ينبض بسرعة… تحت أنظار ذلك الرجل هادئ المطلع وهو ينظر إليه بابتسامة خفيفة:
“أحسنت صنعًا، كيف تشعر الآن؟”
لينظر إليه ويلتفت حوله عدة مرات ثم يعود بنظره إليه مرة أخرى ويقول:
بخير، ماذا حدث؟ وماذا أفعل هنا أيها الطبيب؟
ليضحك معها الطبيب ويقول بصوته الهادئ الرخيم:
“لا تقلق، هذه آثار جانبية بسيطة ما بعد التنويم المغناطيسي
وأضاف: تستطيع أن تأتي مرة أخرى من بعد الخامس من نوفمبر، أي بعد أسبوعين من الآن.
“ماذا حدث أيها الطبيب؟”
لا تقلق، أنت تُبلي بلاءً حسنًا.
“ماذا قلت عن والداي؟”
أنت تخرج من شرنقة هذا الذنب، لا تقلق.
“هل تركت حبيبتي؟”
لا، بل تزوجتها وتعيش معك وهي من اقترحت مجيئك إليً.
“من أرسل لي كارت التهنئة؟”
ليبتسم معها الطبيب ويربت على كتفه قائلًا:
ستعرف حينها، أراك لاحقًا.
ليخرج معها ويغلق الباب وراءه ويذهب لصراعه الحتمي، ويجلس الطبيب بعدها ويمسك بيده الورقة التي سجل بها جلسة اليوم للسيد توم بيل ليضيف في نهايتها:
– نسيان مؤقت ما بعد جلسة التنويم.
– في طريقه النهائي لنسيان ذنب مصرع والداه في الحريق.
– لا يعلم أنه من أرسل لنفسه رسالة التهنئة في أوج مرضه النفسي.
– يتعافى بنسبة ٧٠٪ ……. والـ ٣٠٪ الأخرى لازالت تنظر إليه من وراء الستار.



