إتفاق مكة .. هل تبدأ السعودية وتركيا وباكستان تأسيس منظومة أمن إسلامية جديدة؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية ودولة باكستان الإسلامية والجمهورية التركية يمكن النظر إليه باعتباره خطوة مهمة وإيجابية في اتجاه إعادة بناء مفهوم التعاون بين دول العالم الإسلامي ، ليس فقط من الناحية العسكرية أو الأمنية، وإنما على مستوى أوسع يتعلق بإعادة صياغة العلاقات بين الدول الإسلامية على أساس المصالح المشتركة والأمن الجماعي بدلا من حالة التوجس وانعدام الثقة التي استمرت لعقود طويلة.
في تقديري، الأهمية الحقيقية لهذا الاتفاق لا تكمن فقط في بنوده المباشرة، وإنما في الرسالة السياسية التي يحملها. فمجرد اجتماع السعودية وتركيا وباكستان حول صيغة دفاعية مشتركة يمثل في حد ذاته محاولة لكسر حالة الجمود التي طبعت العلاقات بين عدد من الدول الإسلامية خلال السنوات الماضية، ويفتح الباب أمام التفكير في نموذج مختلف للتعامل مع التحديات الإقليمية، يقوم على التعاون والتنسيق بدلا من أن تظل كل دولة تنظر إلى أمنها باعتباره شأنا منفرداً لا علاقة له بأمن الآخرين.
لكن من المهم جدا ألا يتم تفسير هذا الاتفاق بطريقة ضيقة أو اختزاله في كونه تحالفا موجها ضد دولة بعينها. الحديث عن أن الاتفاق يستهدف إيران أو اليمن ، في تقديري ، قراءة لا تعكس بالضرورة طبيعة المشهد الاستراتيجي الأوسع. فتركيا وباكستان، على سبيل المثال ، تربطهما بإيران علاقات سياسية وأمنية واقتصادية واستراتيجية معقدة، كما أن وجود إيران قوية ومستقرة وموحدة يمثل عاملا مهما في حسابات الأمن القومي لكل من أنقرة وإسلام آباد. ولذلك فمن الصعب وضع هذا الاتفاق في خانة التحالفات العدائية المباشرة ضد طهران أو ضد أي دولة إسلامية أخرى.
الأمر نفسه ينطبق على الملفات الشائكة في المنطقة، ومنها الملف اليمني وغيره من الأزمات الإقليمية. هذه القضايا لا يمكن حلها ببساطة من خلال إنشاء محاور جديدة أو الدخول في مواجهات مفتوحة، لأن التجربة خلال السنوات الماضية أثبتت أن الصراعات داخل العالم الإسلامي لا تنتج في النهاية سوى مزيد من الاستنزاف والتدخلات الخارجية وتفكيك الدول وإضعاف قدرتها على حماية مصالحها. والحل الحقيقي لهذه الملفات يحتاج في النهاية إلى صيغة أوسع من المصالحة والتفاهم وإعادة بناء منظومة أمن إقليمي تشارك فيها جميع الأطراف.
ومن هنا تأتي أهمية عدم التعامل مع اتفاق مكة باعتباره تحالفا سنيا في مواجهة تحالف شيعي، فهذا توصيف طائفي ضيق لا يخدم الفكرة الأساسية ولا يعكس طبيعة الدول الثلاث نفسها. فالسعودية وتركيا وباكستان، رغم اختلاف تركيبتها السياسية والمذهبية والاجتماعية، ليست دولا يمكن اختزالها في عنوان طائفي واحد، كما أن التجربة التاريخية لهذه الدول تؤكد أن التعايش بين المذاهب والتيارات المختلفة داخل الدولة الواحدة يمكن أن يكون جزءا من منظومة الاستقرار، وليس بالضرورة سببا للصراع.
المشكلة الكبرى في العالم الإسلامي خلال العقود الماضية لم تكن في اختلاف المذاهب بحد ذاته ، وإنما في تحويل الاختلافات المذهبية والسياسية إلى أدوات للصراع الإقليمي والدولي. وعندما تتحول الهوية المذهبية إلى أساس للتحالفات العسكرية، يصبح من السهل على القوى الخارجية توظيف هذه الانقسامات وإعادة إنتاجها بما يخدم مصالحها. أما إذا استطاعت الدول الإسلامية أن تنتقل من منطق المحاور الطائفية إلى منطق المصالح المشتركة والأمن الجماعي، فإنها ستكون أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء توازن إقليمي أكثر استقرارا.
ولهذا أرى أن التوصيف الأدق لاتفاق مكة هو أنه محاولة لكسر الجليد وفتح الطريق أمام نشوء نموذج جديد من التعاون الإسلامي، وليس تأسيس محور مغلق في مواجهة محور آخر. الفكرة الأهم ليست أن تتجمع ثلاث دول ثم تتوقف العملية عند هذا الحد، وإنما أن تتحول هذه الخطوة إلى نواة يمكن البناء عليها لاحقا، بحيث تصبح منظومة التعاون مفتوحة أمام بقية الدول الإسلامية، العربية وغير العربية، على اختلاف أنظمتها السياسية ومذاهبها وتوجهاتها.
العالم الإسلامي يمتلك مقومات ضخمة تجعله قادرا على بناء منظومة أمن واستقرار إقليمية مستقلة إلى حد كبير، إذا توفرت الإرادة السياسية لذلك. الموقع الجغرافي ، والثروات الطبيعية، والممرات البحرية، والقوة البشرية، والقدرات العسكرية، والأسواق الاقتصادية، كلها عناصر تمنح هذه الدول قدرة هائلة على حماية مصالحها إذا استطاعت الانتقال من حالة التنافس والصراع إلى حالة التنسيق والتكامل.
لكن هذه المنظومة لا يمكن أن تنجح إذا قامت على إقصاء أي دولة إسلامية أو على تصنيف الدول وفقا لمذهبها أو هويتها السياسية. بالعكس، نجاح أي نظام تعاون إسلامي حقيقي سيكون مرتبطا بقدرته على استيعاب الجميع، بما في ذلك الدول التي تختلف سياسيا مع السعودية أو تركيا أو باكستان.
فالأمن الجماعي الحقيقي لا يعني أن نتفق في كل شيء، وإنما يعني أن نختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب، وأن نضع خطوطا واضحة تمنع انهيار الدول أو تهديد أمنها، وأن نبحث عن حلول سياسية للأزمات بدلا من تركها تتحول إلى صراعات مفتوحة.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم أهمية اتفاق مكة. نحن أمام اختبار حقيقي لإمكانية انتقال العالم الإسلامي من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة صناعة المبادرات. فبدلا من أن تنتظر الدول الإسلامية دائما ترتيبات أمنية تفرضها القوى الكبرى من خارج المنطقة، يمكنها أن تبدأ تدريجيا في بناء ترتيباتها الخاصة التي تحمي مصالحها وتمنع تحويل المنطقة إلى ساحة دائمة للصراع الدولي.
وأعتقد أن الخطوة الأكثر أهمية بعد هذا الاتفاق هي ألا يتحول إلى مجرد إطار دفاعي بين ثلاث دول، بل أن يكون بداية لمسار سياسي ودبلوماسي واقتصادي وأمني أوسع. وإذا نجحت السعودية وتركيا وباكستان في تطوير هذه التجربة بشكل متوازن، فقد تصبح لاحقا نموذجا يمكن للدول الإسلامية الأخرى الانضمام إليه أو الاستفادة منه، بما يؤدي في النهاية إلى بناء شبكة تعاون حقيقية وليست مجرد تحالف مؤقت تفرضه ظروف سياسية عابرة.
العالم الإسلامي لا يحتاج إلى حرب جديدة بين المسلمين، ولا إلى محور جديد ضد محور آخر ، ولا إلى إعادة إنتاج الانقسامات المذهبية تحت مسميات أمنية. ما يحتاجه هو صيغة جديدة تجعل قوة دولة إسلامية عاملا في استقرار جيرانها، وليس تهديدا لهم، وتجعل الخلافات السياسية قابلة للإدارة بدلا من تحويلها إلى صراعات وجودية.
لهذا، فإنني أرى اتفاق مكة باعتباره بداية محتملة لعصر مختلف، وليس نهاية الطريق. قيمته الحقيقية ستظهر إذا استطاع أن يكسر حالة عدم الثقة المتراكمة ، وأن يؤسس لعلاقات أكثر عمقا بين الدول الإسلامية ، وأن يتحول تدريجيا من تعاون ثلاثي إلى منظومة أوسع للأمن الجماعي والتنسيق السياسي والاقتصادي.
وفي النهاية، فإن الهدف الذي يجب أن تسعى إليه مثل هذه الترتيبات ليس أن ينتصر طرف إسلامي على طرف إسلامي آخر، وإنما أن يصل العالم الإسلامي كله إلى معادلة يستفيد منها الجميع. معادلة تحافظ على أمن السعودية وتركيا وباكستان وإيران ومصر ودول الخليج وبلاد الشام والعراق واليمن وبقية الدول الإسلامية، وتحفظ لكل دولة سيادتها ومصالحها، وفي الوقت نفسه تمنع تحويل الخلافات الداخلية إلى أبواب مفتوحة للتدخل الخارجي.
إذا نجحت هذه الرؤية، فقد يكون اتفاق مكة بالفعل أكثر من مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول ، وقد يتحول إلى لحظة تأسيسية لمرحلة جديدة في العلاقات داخل العالم الإسلامي ، عنوانها الأساسي أن أمن الدول الإسلامية لا يتحقق بإضعاف بعضها البعض، وإنما ببناء منظومة تجعل استقرار الجميع مصلحة مشتركة للجميع.



