✍️ يوحنا عزمي
ماذا بعد ان اشعل ترامب حرب تجارية كلاسيكية بقرارات يوم التحرير التي أصدرها بحق التعريفة الجمركية الأمريكية مع العالم ؟
كما أشرنا في مقال سابق ، هذا النمط من الحروب التجارية برعت فيه الولايات الأمريكية خاصة في القرن الـ 19 ، بل ان الولايات الأمريكية الثلاثة عشر التي استقلت عن بريطانيا وأسست أمريكا قد خرجت من الإمبراطورية البريطانية او إقليم أمريكا البريطانية بسبب قيام البرلمان البريطاني بفرض ضرائب باهظة على شعوب المستعمرات الثلاثة عشر ما جعل الشركات الأمريكية تمول الجيش القاري وتمول حركة الإستقلال السياسية والعسكرية من أجل ان تظفر بدولة مستقلة بعيداً عن ضرائب وجمارك البرلمان البريطاني على المستعمرات في أمريكا.
لولا قرارات البرلمان البريطاني بداية من العام 1773 لتأخر الإنفصال الأمريكي عن بريطانيا لعقود بل وربما لم يكن يحدث من الأساس ، إقليم أمريكا البريطانية الذى تأسس عام 1585 سقط على وقع الإستقلال والثورة الأمريكية عام 1783.
ورغم ان الخبراء تسابقوا في قياس تأثير الجمارك الأمريكية الجديدة على اقتصاديات الصين وأوروبا وحتى مصر ، وفرز حسابات الربح والخسارة ، ومسارات الإستثمار الأجنبي لمصر وغيرها على وقع قرارات ترامب ، إلا ان اغلب ما كتب قد اغفل البند الأهم ، هل تلك القرارات قابلة للإستمرار في أمريكا نفسها من عدمه ؟ هل لها فرص البقاء من عدمه ؟ هل هي مضرة للولايات الأمريكية من عدمه ؟
رغم ان أمريكا هي موطن عشرات الجماعات الإقتصادية النافذة، وشبكات وعصابات وجماعات ضغط وشبكات مافيا وجريمة منظمة لا تنتهي ، ولكن هنالك جماعتين في أمريكا لا ثالث لهم هم أساس الإقتصاد.
أباطرة سوق المال في نيويورك ، واباطرة سوق التكنولوجيا في كاليفورنيا. وول ستريت وسيليكون فالي.
البعض يحسب أباطرة الإعلام في مانهاتن (نيويورك) ولوس انجلوس (كاليفورنيا) ، واباطرة النفط في تكساس واباطرة القمار في لاس فيجاس واباطرة صناعة الترفيه في هوليود ولكن الأساس في هذه الحرب التجارية هما وول ستريت وسيليكون فالي.
كلا الطرفين سوف يتضرر من رفع الجمارك على الاستيراد من الصين وتايوان والهند ، لأن كافة صناعات أباطرة أسواق المال والتكنولوجيا – خاصة التكنولوجيا – يعتمدون على استيراد المواد الخام من تلك البلاد الثلاثة.
ومهما كان هنالك بدائل والعاب تجارية وجمركية واستيرادية وصناعية، بل حتى لو كان هنالك أرباح من السوق المحلي الأمريكي ففي كل الأحوال فأن أباطرة وول ستريت وسيليكون فالي هم الخاسر الأكبر من قرارات ترامب.
قرارات ترامب سوف تصب في صالح الرأسمالية الوطنية الأمريكية رأسمالية الطبقة الوسطى ، ولكن رأسمالية العولمة والشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات سوف تخسر سواء كانت أمريكية او تعمل من خارج أمريكا.
للمفارقة ، والتي يتعمدها ترامب ، انتصار رأسمالية الطبقة الوسطى او الرأسمالية الوطنية على رأسمالية العولمة مفيد بالفعل لأمريكا واقتصادها على المدي البعيد ، بل يحرر أمريكا بالفعل من هيمنة هؤلاء ، ولكن من قال ان “هؤلاء” سوف يراقبون خزائن العولمة وهى تنزف أمام صعود القوميين في أمريكا وأوروبا ؟
لقد بدأ ترامب للتو حرب أمريكية على عائلات روتشيلد وروكفيلر وفورد ومورجان وغيرهم ، كما أنه مارس خطيئته التي ادمنها منذ دخوله الثاني للبيت الأبيض في 20 يناير 2025، الا يتنصل من وعوده الإنتخابية فحسب بل ان يقوم بعكسها بالضبط.
حلفاء ترامب من أسواق المال والتكنولوجيا خسروا للتو ، وتم الغدر بهم ، اولهم ايلون ماسك الذى أعلن ترامب بنفسه أنه يغادر إدارته عشية إعلان القرارات الجمركية الجديدة ، اما أباطرة سوق التكنولوجيا فقد ايقنوا أنهم على حق حينما ايدوا كامالا هاريس لورين باول جوبس أرملة ستيف جوبس وكلاهما من مؤسسي وملاك أبل ، بيل جيتس إمبراطور مايكروسوفت ومافيا اللقاحات ريد هوفمان امبراطور لينكدين والملياردير مايكل بلومبيرج امبراطور وول ستريت وروبرت مردوخ إمبراطور الإعلام وصولاً إلى بروفيسور التنبؤ الخبير الأمريكي البروفيسور ديفيد ميشيل روتشيلد سليل آل روتشيلد والمتحكم الفعلي في مؤسسة مايكروسوفت.
وبالتالي فأن أباطرة أسواق المال والتكنولوجيا وشبكات مصالح الحزب الديموقراطي بل وحتى شبكات مصالح الحزب الجمهوري المتضررة من قرارات ترامب سوف تتحد من أجل إسقاطه مع حربه التجارية الجديدة.
الإعلام سوف يركز على خسائر هؤلاء ولن يركز على مكاسب الرأسمالية الوطنية الامريكية ، ثم ان القرار الترامبي بدوره قد يؤدى بالفعل الى تضخم ثم ركود محدود او مؤقت ، وقد يتم تحريك البنك الفيدرالي الأمريكي لرفع الفائدة مرة أخرى بدلاً من خفضها كما يريد ترامب.
هكذا فأن الحرب الحقيقية ليست بين أمريكا والصين ، او أمريكا وأوروبا ، او حتى أمريكا والعالم ، ولكن داخل أمريكا نفسها ، ما بين ترامب وتيار الرأسمالية الوطنية الذى دعمه واوصله للبيت الأبيض مرتين، وتيار رأسمالية العولمة المعارض الحقيقي لترامب والقوميين في الغرب.
هل شهدت الولايات الأمريكية حرباً كتلك من قبل ؟
الإجابة نعم وتفاصيلها تحمل مفارقة مرعبة.
ويليام ماكنلي ، الرئيس الخامس والعشرين للولايات المتحدة الأمريكية ، تولي الحكم عام 1897 حتى عام 1901، قبل أن يتم اغتياله.
ماكنلي كان من أشد المؤمنين بفكرة أن “الرسوم الجمركية العالية تحمي الصناعة الأمريكية وتوفر الوظائف”، ولهذا السبب ، في عام 1890، حين كان عضوًا في الكونجرس ، قاد إصدار تعريفة ماكنلي والتي كانت تفرض رسوماً جمركية بنسبة 48% تقريبًا على معظم السلع المستوردة. وكانت هذه واحدة من أعلى التعريفات الجمركية في تاريخ الولايات المتحدة في ذلك الوقت.
كان الهدف من ذلك تشجيع المواطنين على شراء المنتجات الأمريكية بدلاً من المستوردة ، وبالتالي دعم المصانع والشركات المحلية.
هذه التعريفة أدّت إلى إرتفاع الأسعار محليًا ، ما جعلها غير محبوبة بين عامة الناس ، رغم أنها حمت الصناعات الكبرى. وبعد سبع سنوات من ذلك ، أصبح رئيسًا عن الحزب الجمهوري.
ماكنلي كان جمهوريًا ومؤيدًا كبيرًا لفكرة التوسع الاقتصادي والعسكري. وفي عهده وقعت الحرب الأمريكية الإسبانية عام 1898، والتي انتصرت فيها الولايات المتحدة ، وبسطت سيطرتها على بورتوريكو ، الفلبين ، وجوام، لتصبح بذلك إمبراطورية عالمية.
في عام 1901، تم اغتياله على يد أمريكي من أصل بولندي يُدعى ليون تشولجوش ، ثم تولي نائبه ثيودور روزفلت رئاسة البلاد.
في ذلك الوقت ، ترددت أقوال تفيد بأن نائبه روزفلت كان وراء اغتياله ، بسبب مصالح العائلات الكبرى في أمريكا – ولا تنسَ أن عائلة روزفلت نفسها كانت من ضمن هذه العائلات. وقد غذى هذه النظرية أن روزفلت ألغى العديد من قرارات ماكنلي ، وكان نقيضه تمامًا من الناحية الاقتصادية.
روزفلت كان من دعاة النيوليبرالية ، فألغى التعريفات الجمركية، ورغم أن ماكنلي خاض الحرب الأمريكية الإسبانية ، إلا أنه كان يدافع عن مصالح أمريكية محددة ، بينما رأى روزفلت أن على أمريكا التدخل في شؤون العالم بأسره.
باختصار : ماكنلي هو ترامب ، وروزفلت هو جو بايدن.
وقد قيل آنذاك إن هناك حملة تقودها شبكات المصالح الغربية للتخلص من عدد من القادة غير المتماشين مع النظام العالمي السائد آنذاك ، وهو ما يشبه تمامًا ما يحدث اليوم ، حينما تحاول العولمة إسقاط الحكام القوميين.
في نفس الفترة التي اغتيل فيها الرئيس الأمريكي ويليام ماكنلي عام 1901، تم اغتيال الأسماء التالية :
– الملكة إليزابيث الأولى ، ملكة النمسا عام 1898.
– الملك أومبرتو الأول ، ملك إيطاليا عام 1900.
– الرئيس الفرنسي ماري فرانسوا سادي كارنو عام 1894.
– رئيس الوزراء الإسباني أنطونيو كانوفاس ديل كاستيو عام 1897.
– الرئيس الأمريكي جيمس جارفيلد عام 1881
كلهم كانوا على غير وفاق مع شبكات المصالح الغربية ، سلسلة الاغتيالات التي وقعت ما بين عامي 1881 و1901، وقعت على يد عناصر أناركية ، والأناركية فكر يساري ، أي أن النظام الغربي الرأسمالي كان يوظف اليسار في ذلك الوقت لضرب العناصر القومية ، كما يحدث الآن تمامًا ، حين أصبح اليسار في أمريكا وأوروبا رأس حربة العولمة لضرب القوميين.
إن التاريخ يعيد نفسه بشكل مقلق .. حكام أمريكا والنمسا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا.
واليوم ، في أمريكا هناك ترامب ، وفي النمسا حكومة يمين قومي، وفي فرنسا مارين لوبان، وفي إيطاليا جورجيا ميلوني، وفي إسبانيا حزب فوكس القومي المتوقع صعوده في عام 2027 ، أي بعد أقل من عامين.
يا للعجب! ولكن الأدوات تغيرت ، الاغتيال الجسدي اصبح اغتيال سياسي ومعنوي وادبي ، ولكن من قال ان الاغتيال الجسدي غائب بشكل حاسم في هذه اللعبة؟
إذن الحرب الحقيقية داخل الولايات الأمريكية ، هي حرب أهلية اقتصادية أمريكية بامتياز ، هو صراع ما بين أمريكا أولا وامريكا النيوليبرالية ، ما بين أمريكا الوطنية وامريكا العولمة ، ولأنها القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر في العالم شاء من شاء وابى من ابى فبكل اسف، العالم اجمع متورط في حرب هي في الأساس أمريكية بحتة.