مقالات

لماذا يصر الإحتلال على شائعة إغتيال أبو عبيدة ؟

✍️ يوحنا عزمي

اغتيال أبو عبيدة في قصف استهدف حي الرمال بمدينة غزة

الخبر انتشر كالنار في الهشيم ، وكأن الإحتلال يريد أن يُدخل الجميع في دوامة من الصدمة والتساؤلات. البعض تلقى الخبر على أنه حقيقة مؤكدة ، بينما ظل آخرون يتعاملون معه بحذر وشك ، مدركين أن ما يخرج من أبواق الإعلام العبري لا يمكن أن يؤخذ على محمل الثقة.

لكن ، إذا تركنا العناوين المثيرة جانباً ، ونظرنا إلى ما حدث على الأرض بعيون باردة وواقعية ، سنجد أن الضربة لم تكن موجهة إلى قائد عسكري أو شخصية قيادية في المقاومة ، وإنما إلى بناية سكنية تقطنها عائلات مدنية بريئة. عشرات المدنيين قضوا تحت الركام ، وبينهم نساء وأطفال ، ولم يُعلن حتى الآن عن سقوط أي قائد أو متحدث بأسم المقاومة. الحقيقة إذن ، أن ما يروج له الإحتلال ليس سوى شائعة أخرى تُضاف إلى سجل طويل من الأكاذيب التي استُخدمت كجزء من أدوات الحرب النفسية.

هنا يتبادر السؤال : لماذا يختار الإحتلال هذا التوقيت بالتحديد لترويج شائعة بحجم “اغتيال أبو عبيدة”؟

الإجابة تكمن في طبيعة المشهد الميداني خلال الأيام الأخيرة. الاحتلال تلقى هزائم موجعة ، سواء في الميدان أو على صعيد صورته أمام جمهوره الداخلي.

هذه الهزائم ولدت حاجة ملحة إلى أي “انتصار إعلامي” يُعيد بعض التوازن ، ولو كان وهمياً. من هنا جاء خبر الاغتيال ليعمل كأداة تجميلية ، تُعطي لجمهور الإحتلال جرعة من الثقة ، وتُقدم صورة زائفة عن جهاز استخبارات قادر ومهيمن ، بينما الواقع يشي بالعكس تماماً.

الأمر الآخر ، وهو الأخطر ، أن مثل هذه الأخبار لا تُنشر في الإعلام العبري عبثاً. الإعلام هناك موجه ويعمل تحت سقف المؤسسة الأمنية والعسكرية. وبالتالي ، أي خبر يتعلق باغتيال شخصية قيادية لا بد أن يمر عبر غرف العمليات والتوجيه الاستخباراتي.

الغرض الحقيقي من مثل هذه الشائعات ليس مجرد البروباغندا الإعلامية ، بل هو اختبار حقيقي للمقاومة ومحيطها.

الإحتلال يعلم أن ترويج خبر كهذا قد يدفع دوائر القادة المستهدفين إلى اتخاذ خطوات عاطفية أو تحركات أمنية ، قد تُسهم في كشف هويات أو مواقع ، وهو ما يسهل عملية الاستهداف لاحقًا بصورة فعلية وليست وهمية.

الإحتلال ، كما أثبتت التجارب ، لا يستخدم الصواريخ وحدها ، بل يتقن استخدام الشائعة كسلاح موازٍ. على مدار سنوات ، تكررت إعلانات مشابهة عن “اغتيال قادة”، ليتضح لاحقًا أن جميعها كانت أكاذيب مدروسة. الهدف منها واضح : زعزعة الثقة ، زرع الارتباك ، وإجبار الخصم على كشف أوراقه بنفسه. وهذه في جوهرها حرب نفسية أشد خطورة من الصواريخ ، لأنها تستهدف العقل قبل الجسد، والثقة قبل السلاح.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه الإعلام العبري بصناعة الوهم، هناك حقيقة دامية تجري على الأرض : غزة تُقصف بلا رحمة. منذ ساعات الصباح ، لم تهدأ أصوات الانفجارات التي مزّقت أحياء المدينة. البيوت تُهدم فوق رؤوس ساكنيها ، والمجازر تتكرر واحدة تلو الأخرى. آخرها كان قصف مخبز مكتظ بالمدنيين ، حيث سقط ما يقارب 12 شهيداً بينهم أطفال، فضلًا عن عشرات الجرحى.

هذه المأساة الحقيقية لا تجد مكانها في الإعلام العالمي ، الذي يختار عمدًا أن يسلط الضوء على شائعات الاحتلال بدلًا من أن يُظهر للعالم فداحة الكارثة الإنسانية في غزة.

إن الحديث عن “اغتيال أبو عبيدة” لا يعدو كونه محاولة يائسة من الاحتلال للهروب من واقعه الميداني. فحتى اللحظة ، لا يوجد دليل واحد على صحة هذا الادعاء. لم يخرج أي بيان رسمي من المقاومة يؤكد الخبر ، وكل ما بين أيدينا هو صدى إشاعة صُنعت بعناية لتخدم أهدافًا نفسية واستخباراتية.

في المقابل ، هناك حقيقة لا تقبل الجدل : غزة تنزف دماً ، وأهلها يعيشون كابوساً يومياً من القصف والقتل والتدمير ، وسط صمت عربي ودولي مخزٍ ، وكأن أرواح المدنيين لا تستحق حتى الذكر.

الخلاصة أن اغتيال أبو عبيدة ـ حتى الآن ـ لم يحدث.

ما يحدث بالفعل هو اغتيال يومي لمدنيين أبرياء ، ومجازر تتواصل بلا توقف. الإحتلال يحاول إخفاء فشله العسكري خلف ستار من الأكاذيب الإعلامية ، لكنه ينسى أن الحقيقة لا يمكن أن تُطمس. غزة ، بأشلاء أبنائها ودماء شهدائها، تفضح زيف روايته كل يوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!