مقالات

هل تقود تركيا المنطقة إلى صدام مفتوح مع إسرائيل؟

✍️ يوحنا عزمي

في الساعات الأخيرة ، بدا المشهد الإقليمي وكأنه على صفيح ساخن يقترب من الانفجار. فبينما أعلن جيش الإحتلال الإسرائيلي مدينة غزة “منطقة قتال خطيرة” بما يعني إسقاط أي قيود إنسانية أو قانونية على عملياته العسكرية داخلها ، خرجت تركيا بقرار صاعق وغير مسبوق ، يقضي بقطع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إسرائيل وإغلاق أجوائها أمام الطيران الإسرائيلي. هذه الخطوة مثلت زلزالًا سياسياً أعاد خلط الأوراق ، لتتداخل أبعاد غزة وسوريا وملفات إقليمية حساسة في مشهد واحد شديد التعقيد.

غزة اليوم تعيش لحظة فارقة ، إذ لم يعد الحديث عن “هدنات إنسانية مؤقتة” قائماً ، بل أصبح أكثر من مليون فلسطيني عالقين وسط أحياء محاصرة ، يتعرضون لقصف متواصل من الطائرات المسيرة والروبوتات القتالية ، دون اعتبار لمدنيين أو مستشفيات أو حتى منظمات إغاثية. وفق إعلان الجيش الإسرائيلي ، فإن كل من يبقى داخل حدود المدينة يُعتبر هدفًا مشروعاً ، وكأن الوجود الفلسطيني نفسه أصبح تهمة تكفي للحكم بالإعدام. إنها كماشة مكتملة الأركان : النزوح الإجباري من جهة ، والموت المحقق من جهة أخرى.

لكن في الوقت الذي يواجه فيه الفلسطينيون هذا المصير القاسي، جاءت الخطوة التركية لتفتح جبهة موازية في المشهد. فوزير الخارجية التركي هاكان فيدان أعلن بوضوح أن بلاده أغلقت أبوابها الاقتصادية والسياسية أمام تل أبيب ، وأن الأجواء التركية لن تكون بعد الآن ممرًا للطيران الإسرائيلي. ورغم أن الموقف بدا ظاهريًا تضامناً مباشراً مع غزة ، إلا أن جذوره الحقيقية أعمق من ذلك بكثير ، وتعود إلى ما يجري في الساحة السورية.

ففي الشهور الماضية ، وسع الجيش الإسرائيلي نطاق عملياته داخل سوريا ، ونجح في السيطرة على مساحات واسعة من ريف دمشق وضواحيها ، بل وشرع في بناء قواعد ارتكاز عسكرية داخل الأراضي السورية ، إضافة إلى خطوة أكثر استفزازًا تمثلت في وضع حجر الأساس لأول مستوطنة إسرائيلية على الأراضي السورية المحتلة. كل ذلك جرى وسط صمت عسكري سوري وعجز واضح عن التصدي ، الأمر الذي فتح شهية تل أبيب على فرض واقع جديد يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة.

الأزمة بلغت ذروتها حين اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالإبادة الجماعية التي ارتكبتها الدولة العثمانية ضد الأرمن والآشوريين واليونانيين بين عامي 1915 و1917. وهو ملف تاريخي ودبلوماسي شديد الحساسية بالنسبة لأنقرة ، طالما تجنبت إسرائيل التطرق إليه. هذا الاعتراف لم يكن مجرد تصريح عابر ، بل طعنة مباشرة في خاصرة أنقرة ، التي رأت فيه استفزازًا متعمدًا يستدعي الرد بأدوات غير تقليدية.

من هنا يصبح مفهوماً أن قرار أنقرة بقطع العلاقات لم يكن بدافع التضامن مع غزة فقط ، بل كان أيضاً رسالة استراتيجية إلى إسرائيل : أن تجاوز حدود النفوذ التركي في سوريا ، أو اللعب في الملفات التاريخية الحساسة ، لن يمر دون رد.

ولهذا بدأت تركيا بالفعل اتخاذ إجراءات عملية ، منها تكليف شركة الإسكان الحكومية “TOKI” ببناء ملاجئ تحت الأرض في عموم البلاد ، ونشر منظومات الدفاع الجوي المحلية “القبة الفولاذية”، فضلًا عن تطوير صواريخ باليستية بمدى يتجاوز 500 كيلومتر، ودفع بقطع بحرية استراتيجية إلى شرق المتوسط. كل ذلك يشي بأن أنقرة لا تلوح فقط ، بل تستعد لاحتمالات أكثر خطورة.

غير أن التناقض يطل برأسه من جديد ، إذ تكشف البيانات الاقتصادية للأمم المتحدة أن التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل لم يتوقف، بل ظل في أعلى مستوياته حتى عام 2024، وبلغت قيمة الصادرات التركية لإسرائيل مئات الملايين من الدولارات في الأشهر الأولى من 2025. كما أن ملف الغاز في شرق المتوسط لا يزال يربط الطرفين بمصالح مشتركة لم يجر المساس بها علنًا. أي أن الخطاب السياسي المعلن لا يزال يختلف كثيرًا عما يجري في الكواليس.

السؤال إذن : هل ما يحدث هو مقدمة لحرب فعلية قد تتفجر في غزة وسوريا وتجر تركيا إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل ، أم أننا أمام لعبة مصالح كبرى ، يتبادل فيها الطرفان الضغوط من فوق الطاولة بينما يحافظان على شبكات التعاون من تحتها؟

المشهد الراهن يبدو كأنه لوحة مليئة بالتناقضات ؛ غزة تُترك لمصيرها المأساوي تحت القصف الإسرائيلي ، وسوريا تتحول إلى ساحة اختبار لتوازنات النفوذ ، فيما تركيا وإسرائيل تخوضان مواجهة مزدوجة ، ظاهرها قطيعة وصدام ، وباطنها مصالح اقتصادية لم تنقطع. ومع كل خطوة جديدة ، تتزايد احتمالات الانفجار الكبير الذي قد يغيّر شكل المنطقة بأكملها. وحتى ذلك الحين ، يبقى السؤال مفتوحاً : هل نحن أمام معركة تكسير عظام حقيقية ، أم مجرد جولة أخرى من الصراع السياسي الذي يعرف كيف يشتعل أمام الكاميرات ويذوب في الغرف المغلقة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!